souriayahabibati

Name:
Location: leipzig, germany, Germany

Tuesday, July 01, 2008

اليوم.. بدء تطبيق رسم الخروج الجديد.. الحسين: لمصلحة المغادرين السوريين

اليوم.. بدء تطبيق رسم الخروج الجديد.. الحسين: لمصلحة المغادرين السوريين
دمشق صحيفة تشرين الصفحة الاولى الثلاثاء 1 تموز 2008 أكد الدكتور محمد الحسين وزير المالية ان رسم الخروج الجديد على المواطنين السوريين جاء تنفيذا للمرسوم التشريعي رقم 31 الذي اعدته وزارتا المالية والنقل وسيبدأ تطبيقه من اليوم.
ويدفع السوريون المغادرون الى الدول العربية برا وبحرا بموجب رسم الخروج الجديد خمسمئة ليرة سورية بينما كانت في السابق ثمانمئة ليرة والى الدول الاجنبية جوا 1500 ليرة بعد ان كانت مع رسم المطار 1700 ليرة. ‏
ويدفع غير السوريين برا وبحرا خمسمئة ليرة بينما لم يكن يترتب عليهم في السابق دفع اي مبلغ وجوا 1500 ليرة بعد ان كانوا يسددون 200 ليرة رسم مطار. ‏
وأشار الوزير الحسين في تصريح للوكالة الى ان ما استجد على القانون يأتي في مصلحة المغادرين السوريين مبينا ان الجديد في القرار هو تشميل المغادرين من غير السوريين برسم الخروج ومقداره خمسمئة ليرة عند الخروج من المنافذ البرية والبحرية و1500 عند الخروج من المطارات السورية. ‏
وقال الدكتور الحسين: إن النص التشريعي ترك لمجلس الوزراء تعديل هذه الرسوم والفئات المعفاة منها مثل: الدبلوماسيين والاطفال دون العاشرة وسائقي السيارات العمومية ومساعديهم وسائقي القطارات وافراد الركب الطائر والركب المبحر وغيرهم في ضوء مبدأ المعاملة بالمثل مشيرا الى ان النص التشريعي يهدف ايضا الى استبدال صيغة بطاقة رسم الخروج بصيغ افضل. ‏
وكشف وزير المالية ان العمل يجري حاليا مع وزارة النقل على استيفاء رسم الخروج عبر المطارات باضافته الى تذاكر الطيران واراحة المغادرين من دفعه خلال سفرهم في المطار قائلا: ان احلال صيغة افضل لرسم الخروج برا وبحرا واستيفاءه عبر المطارات مع قيمة التذكرة عملية تحتاج الى نحو ثلاثة اشهر حتى تكون نافذة ولذلك سيستمر العمل بصيغة بطاقة رسم الخروج المعروفة بعد ان تمت طباعة بطاقات وفق الرسوم الجديدة ووزعت على جميع المنافذ الحدودية والمطارات والمرافئ. ‏
ولفت الوزير الحسين الى ان المسافرين عبر مطارات العالم يدفعون ضرائب ورسوما تؤخذ مضافة الى قيمة التذكرة من مكاتب السياحة والحجز التي تقوم بتحويلها الى الخزينة وهو ما تعمل عليه حاليا وزارة النقل بالتنسيق مع وزارة المالية

Monday, June 02, 2008

عرض يتنقل بين دمشق وحلب واللاذقية ... رحابة الموسيقى الهندية تجذب الجمهور السوري

عرض يتنقل بين دمشق وحلب واللاذقية ... رحابة الموسيقى الهندية تجذب الجمهور السوري
دمشق – وسيم ابراهيم الحياة - 03/06/08//
اثنان في واحد، راقصة وموسيقي في العرض نفسه. الاثنان لم يأتيا من منطقة نائية في الهند. العازف براتيك تشاودري والراقصة براتيبها براهلاد، من ابرز فناني الهند في مجاليهما، وجالا على اهم مسارح العالم وصالاته. لكن وزارة الثقافة السورية لم تعر ذلك ما يستحق من اهتمام، وهي التي نظمت حفلات الثنائي. فإلى جانب التقديم المجتزأ للمشاركين في الحفلة، يقول بعض المشاركين في التنظيم ان وزارة الثقافة «تقاعست» عن انتاج مطبوعات «لائقة» بذريعة «انشغال مطابعها»، على رغم ان السفارة الهندية في دمشق «قدمت كل المعلومات عن المشاركين مترجمة قبل شهر من موعد الحفلة الاولى»...
الحفلة الاولى كانت في قصر العظم في دمشق مساء السبت الماضي، كما قدّمت أمس في دار الأوبرا في دمشق، على أن تُقدّم في حلب واللاذقية لاحقاً. ولم يجد الجمهور أمامه في الحفلة الأولى ليتعرف الى الفنانين، إلا أوراقاً عادية طُبعت عليها معلومات ضئيلة عن محتوى الحفلة، وهذا التقديم اسقط اسماء العازفين المــشاركين، وأبقى نبذة عن تشاودري وبراهلاد. قدم تشاودري في القسم الاول من الحفلة مقطوعات موسيقية على آلة «السيتار»، وهي واحدة من اكثر الآلات الموسيقية شعبية في الهند المعاصرة، بمصاحبة عازف ايقاع (طبلة مزدوجة) وعازف سيتار آخر. معزوفات تميزت بالتماسك والانسجام، انبرى بعدها تشاودري وعازف الايقاع في حوار طويل بين آلتيهما. حوار لم يخلُ من الحماسة والمتعة، اذ بدا في جانب منه انه نوع من التحدي والمباراة بين الاثنين. القسم الثاني من الحفلة، أدت فيه براتيبها لراهلاد فقرات راقصة ضمن اسلوب «بهارتاناتيام» (وهي من ابرز مؤدياته وقدمته على الكثير من مسارح العالم). وهذا الرقص مستوحى من انواع الرقص التعبدي الهندي الكثيرة وتعود اصوله الى مخطوطة «ناتيا شاشترا» (مدونة المسرح) التي وضعها الحكيم «بهارتا» قبل الميلاد، ويعتبر من اعرق اساليب الرقص الكلاسيكية المعاصرة في الهند. كلمة «بهارتاناتيام» هي مجموعة اختصارات لكلمات هندية جمعت في كلمة واحدة لتعني (التعبير، اللحن، الايقاع والرقص).
وفي الفقرات الراقصة قدمت براهلاد المظهرين اللذين يتبدّى فيهما رقص «بهارتاناتيام»؛ وهو رقص «نريتا»، وكذلك الرقص التعبيري «آبهينايا» الذي يمثل تفسيراً لنص شعري معين من خلال الحركات والتعبيرات الجسدية والتي تشمل حركات اصابع اليدين، والاطراف، وتعبيرات الوجه التي تجعله وكأنه معرض لكثير من الاقنعة. والنص الشعري الذي رقصته براهلاد كان صوفياً، اذ يخاطب الشاعر الإله متضرعاً اليه كي يمنحه لحظة لقائه التي لا يحلم بسواها في حياته. وعلى رغم العثرات في تنظيم الحفل، فقد ابدى الفنانون الهنود سعادتهم بتفاعل الجمهور، سعادة بدت وكأنها جزء لا يمكن فصله عن الثقافة الرحبة التي يقدمونها، آخذين منها التواضع والانفتاح كأساس للتواصل.

Monday, March 24, 2008

تاريخ الاحتلال البريطاني لسوريا 1918 ... بقلم : المحامي علاء السيد مساهمات القراء

Friday, February 29, 2008

من دمشق.. إلى حلب معزوفة على قيثارة التاريخ

من دمشق.. إلى حلب معزوفة على قيثارة التاريخ
")=0 then
str2=str
else

str1=Replace(str,"","")
str=Replace(str1,"","")
end if
if instr(1,str,"")=0 then
str2=str
else

str2=Replace(str,"","")

str=Replace(str2,"","")

end if
if instr(1,str,"")=0 then
str2=str
else

str2=Replace(str,"","")

str=Replace(str2,"","")

end if
document.write(str)
str=""
next
-->
دمشق هذا العام هي عاصمة الثقافة العربية .. ومن أجدر منها بهذه الصفة فكل شبر فيها هو صفحة من التاريخ تروي قصص الماضي بأمجاده التليدة وانتكاساته المحزنة. من دمشق حَكَم خلفاء بني أمية الدنيا ووطنوا للعرب وللإسلام ملكا صانوه بالسيف ودنانير عبدالملك وفقدوه بالعصبية وتصدع بيت مروان. وفي دمشق عربت الدواوين وسُكَّت الدنانير ووحدت قراءة القرآن وبني للمسلمين جامع عجزت عن وصفه الأقلام، وفي دمشق أيضا يرقد صلاح الدين. وهي في هذا العام تفتح قلبها للعديد من الاحتفالات الثقافية تتفاعل فيها بقية اشكال الثقافة العربية. وتزور العربي دمشق قي هذا العام وهي تحتفل بعيدها الخمسين الذي كرسته لزيارة المدن التي قامت بزيارتها منذ نصف قرن من الزمن. ولا يوازي دمشق في عراقتها إلا مدينة حلب فمنها صد أمراء بني حمدان أخطار الروم التي عجز عنها خلفاء بني العباس، وفي حلب شع نور الأمل باسترداد بيت المقدس وقطف عماد الدين أولى الثمرات، إمارة الرها. ومن دمشق خرجنا من التاريخ لنعود له وبينهما تذوقنا الهريسة النبكية واغتسلنا في العاصي قرب نواعير حماة وصلينا عند قبر أسد بني أمية عمر بن عبدالعزيز. هذه رحلة في التاريخ ذي النهايات المفتوحة، ورحلة في الهوية التي تقلبت عليها صروف الزمان وبقيت هي على حالها، عروبة منفتحة وإسلاما يقبل بالآخر.
هذه زياتي الأولى للشام وهذا اعتراف أتمنى أن يغفر لي ضميري ما حرمت نفسي منه وقتا طويلا، فكيف لعاشق للتاريخ أن يهمل التاريخ نفسه ويكتفي بقراءة القرطاس ومشاهدة الزجاجة المشعة؟ أكرر اعتذاري يا شام فلاعذر لي.
استقبلتني عمائر عتيقة ترتدي أكاليل من صحون التقاط القنوات الفضائية، إعلانات عريضة لعلامات تجارية وسيارات فارهة تعلن أن الزمان غير الزمان والانفتاح هو الطريق الجديد لاقتصاد سورية. باعة الوجبات السريعة يتموقعون في النقاط الحساسة عند مداخل الشوارع الرئيسية وعند التقاطعات النشطة.
بدا واضحا التحول الاجتماعي نحو المدنية والحداثة - اللباس نموذجا - فالصراع الأبدي المستديم بين الأجيال ساحته هو الكون كله، وأمامي جيل لايزال متشبثا بالملابس التقليدية وآخر لا يعلم أين يتوقف، والنساء خير جنود في هذا الصراع، وكثيرا ما يتصادف مرور سيدتين إحداهما تلبس الجينز الضيق والقميص والثانية ترتدي جاكيتا طويلا فوق ثوب أسود فضفاض يعتليه حجاب أبيض.
و«العجأة» في دمشق لها ما يبررها، فسكانها بلغوا في آخر الإحصاءات 4.5 مليون نسمة، والطريف أنني حصلت بالصدفة في جولة على بعض المكتبات القريبة من مقهى المثقفين «هافانا»، على تعداد لسكان دمشق عام 1949م وهذا الإحصاء عبارة عن دليل قديم لمدينة دمشق عمره شارف على الستين عاما، به إحصاء لسكان دمشق إذ وصلوا آنذاك إلى «135289» نسمة فقط.
وقبل أن نستريح أنا وزميلي المصور كان أمامنا، وجهة لا بد منها وهي وزارة الإعلام السورية، لوضع اللمسات الأخيرة على برنامجنا الحافل وتأكيد مواعيد زياراتنا للمتاحف والمواقع الأثرية، والأهم تصريح التصوير الرسمي، فدمشق ليست سوى المرحلة الاولى وأمامنا الكثير في حلب وما بينهما، وقد حظيت «العربي» بمكانة خاصة لدى مسئولي الوزارة وعلى رأسهم وزير الاعلام ومعاونه ومسئولو الإعلام الخارجي وهو ما مكننا من استغلال وقتنا بالصورة المثلى.
داخل أسوار دمشق القديمة
هو بالذات لم يختلف عما رأيته بالصور ما عدا الأرضية التي شملتها أعمال الترميم ولتزهو بحلتها الجديدة ذلك هو سوق الحميدية. وعلى مقربة منه عند تقاطع شارع النصر مع السنجقدار، نزلنا من السيارة ويفصلنا عن الحميدية شارع مزدحم ومسور عند الأرصفة، هبطنا من سلم كهربائي وعبرنا إلى نفق يفضي إلى الجهة الأخرى وصعدنا سلما آخر لنجد أنفسنا أمام سوق الحميدية، في هذه الأثناء كان من حولنا وأمامنا وخلفنا وفود من السياح الإيرانيين لهم حكاية سأذكرها ضمن جولة الجامع الأموي الكبير.
من المهم الإشارة إلى أن طبيعة الحركة داخل أسوار دمشق القديمة وأحيائها لا تكون إلا سيرا على الأقدام فهذه المنطقة الأثرية لها طبيعتها الخاصة التي تستوجب التوقف عند كل ركن والتمعن في تفاصيلها مثل قلعة دمشق والجامع الأموي الكبير. كما أن أبوابها السبعة وهي: الباب الشرقي، وتوما، والجابية، وكيسان والجينيق، والباب الصغير، وأخيرا باب الفراديس لكل منها حكاياته الخاصة.
الحركة في الحميدية كانت بنصف نشاطها المعتاد لأننا عدنا للمكان نفسه بعد ساعتين فوجدناه مملوءًا عن آخره، وهو مسقوف بغطاء معدني مملوء بالثقوب يبلغ طوله 600 متر وارتفاعه 8 أمتار، بناه السلطان عبد الحميد الأول 1780م واشتق اسم السوق من اسمه.
في أيام الصيف اعتاد مرتادو سوق الحميدية بعد الانتهاء من صلاة الظهر في الجامع الأموي، على أعجوبة زمانها وهي تناول بوظة بكداش الشهيرة المطرزة بكومة من الفستق الحلبي، ويقع محل بكداش في وسط سوق الحميدية، وجاء حمدي بكداش سنة 1898م من استانبول ومعه سر صناعة «الداندرما أوالضانضدرما» وتعني البوظة باللغة التركية، والى أن وصلت أجهزة التبريد كان حمدي بكداش يحضر الثلج من جبل قاسيون ويخبئه في براميل خشبية يضع عليها الملح الصخري، ويخرج يوميا كميات محددة من الثلج ويحملها على ظهور الدواب ليستطيع مواصلة عمله خلال أشهر الصيف.
عندما بني مسجد الجامع الأموي تحدث الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى أهل دمشق قائلا: «تفخرون على الناس بأربع خصال، تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم فأحببت أن يكون مسجدكم الخامسة».
وطوال عشر سنوات هي مدة بناء المسجد استقدم أمهر المعماريين والبنائين ليخلدوا للعالم تحفة للإسلام والمسلمين، في صحن الجامع وهو مكان فسيح تنشرح فيه القلوب، وتتجلى جماليات المعمار بمقاييس ذلك الزمان، فهندسة الجامع غير مسبوقة معماريا لدى المسلمين نظرا للاقتباسات البيزنطية والأعمدة الكورنثية والفسيفساء، إلا أنه أصبح أمثولة للكثير من المساجد التي بنيت بعده، ويضم مسجد الجامع الأموي ثلاث مآذن شيدت على مراحل مختلفة وهي مئذنة العروس (الشمالية) من العهد الأموي ومئذنة عيسى (الشرقية) وهي الأعلى ومئذنة قايتباي (الغربية) وهي مثمنة الأضلاع.
هل تذكرون السياح الإيرانيين الذين صادفناهم ونحن في طريقنا، كانوا يقصدون مقام رأس سيدنا الحسين الذي خصص له مزار في أحد أقسام المسجد الأموي، وهناك تفجرت أمامي ينابيع الحزن والتفجع على مقتل سبط رسول الله.
حول مسجد الجامع الأموي أُجريت ترميمات كثيرة على الأبنية المحيطة به، روعي فيها الاحتفاظ بطابع المدينة القديم، والمحلات المجددة والمنمقة تبيع القباقب واللوحات التي تصور أجزاء دمشق القديمة، أخذنا «لفة» كاملة في ممر ضيق يفصل بين جدران الجامع عن المحلات المحيطة به، ارتحنا قليلا في مقهى النوفرة، ثم مررنا على ثلاث مدارس هي الجقمقية والظاهرية والعادلية. وواصلنا الطريق نحو ضريح من جعل الزمان صعبا على الذين جاءوا من بعده، إلى ضريح السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، في مكان ضيق جدا وجدت قبرين للسلطان: واحدا له، والثاني مجسم فارغ هدية من إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني قدمه سنة 1898م.
الغروب فوق قاسيون
حدثوني عن سحر مشهد الغروب في دمشق من على جبل قاسيون المطل على المدينة من الشمال الغربي، هناك مطاعم واستراحات لا عدد لها بعضها مرخص والآخر مؤقت وكل يجد رزقه فالناس لاتنقطع عن زيارة الجبل الأشم. وكلما مال قرص الشمس نحو مخبئه الأزلي زاد الناس وجماعات الأصدقاء وزرافات الأحبة، تزداد التماعات أحجار الفحم المشتعلة على قمم النارجيلة الدمشقية.
تموقعنا فوق قاسيون أعطانا صورة كاملة لدمشق والغوطة، من بعيد تبدى لنا مسجد الجامع الأموي محاطا بالعمران من جميع الاتجاهات وبعد ان أرخى الليل سدوله تفتح الجامع بأنواره كأنه وردة المساء.
وذكر ابن جبير: «بجبل قاسيون لجهة الغرب مغارة تعرف بمغارة الدم، لأن فوقها في الجبل دم قابيل قتيل أخيه هابيل ابني آدم، وفي أعلى الجبل منسوب لآدم، وعليه بناء وهو موضع مبارك. وتحته في حضيض الجبل مغارة تعرف بمغارة الجوع، ذكر أن سبعين نبيا ماتوا فيها جوعا».
المتحف الوطني ومكتبة الأسد
يقع المتحف الوطني عند مدخل دمشق الغربي بين جامعة دمشق والتكية السليمانية، وقد أنشئ مبناه الحالي في عام 1936م. وأضيفت اليه أجنحة في الفترة ما بين 1956 و1975. واجهة المتحف كانت أول شيء أدهشنا، فقد نقلت من قصر الحير في بادية تدمر وأعيد بناؤها لتكون واجهة المتحف، وهذا القصر يعود للخليفة الأموي هشام بن عبدالملك.
ويعج المتحف بالآثار السورية عبر التاريخ، الكلاسيكية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. ومنذ عام 1919م بدأ العمل بتجميع أنوية المتحف الوطني داخل المدرسة العادلية. ونقل أقدم كنيس يهودي في «دورا اوروبوس» وأعيد بناؤه في جناح خاص وقد تمكنا من الاطلاع عليه إلا أن التصوير لم يكن مسموحا به هناك.
في ركن العالم الإسلامي وجدت ضريحا من الخشب النفيس المحفور بكتابات قرآنية من الخط الثلث والخط الكوفي المعقد، كتب عليه « أمر بصنعه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي سنة 664هـ إحياء لذكرى البطل الفاتح خالد بن الوليد وذلك بمناسبة انتصار المسلمين على المملكة الأرمنية في كيليكيا وفتحهم مدينة سيس (سيسية)»، وعُرِفت هذه المعلومات من اللوحات المكتوبة التي وجدت مع الضريح في مدفن خالد بن الوليد بحمص.
وتحولت مكتبة الأسد منذ عام 1987م إلى بؤرة جمعت فيها المخطوطات النادرة المحفوظة من جميع أرجاء القطر، كالمكتبة الظاهرية في دمشق والمكتبات الوقفية في حلب، لضمان سلامتها من التلف والاهتراء، ومكتبة الأسد تتوافر فيها الضمانات كدرجات الحرارة المثالية والرطوبة الثابتة، وأكثر ما لفت نظرنا خلال زيارة مكتبة الأسد هو القسم المختص بترميم المخطوطات، حيث تحضر المخطوطة في حالة يرثى لها ويتم تدعيمها وتقويتها بمواد حافظة ثم تجمع من جديد وتغلف بغلاف مقوى. كما بذل جهد في تصوير المخطوطات بدلا من تقديم المخطوطة الأصلية للباحثين.
بصرى
تقع بصرى، في سهل النقرة وتبعد عن دمشق مسافة 140 كم على الحدود السورية - الأردنية وهي تعني الحصن باللغة السامية، وكانت مدينة تجارية للأنباط العرب وعاصمة للمقاطعة العربية إبان الحكم الروماني، وظلت بصرى محتفظة بأهميتها كموقع عسكري خلال حقب تاريخية متعاقبة، وتشهد بعض الآثار الموجودة هناك على ذلك، وألحقت بصرى بالإمبراطورية الرومانية بعد 106م وشكلت مع حوران والجولان وشرق الأردن ما سمي بالولاية العربية، وبعد أن فتح العرب بصرى قاموا بسد جميع أبواب المسرح الروماني ليجعلوا منه حصنا منيعا وخلال العصر الفاطمي بنيت ثلاثة أبراج ملاصقة لجدار المسرح الخارجي، وخلال فترة الحروب الصليبية أعيد بناء قلعة بصرى.
ومن أهم آثار بصرى من حيث الحجم والمتانة المسرح الروماني، وهو يعد المسرح الوحيد في العالم الذي ظل على الهيئة التي بني عليها وقد نحت المدرج من الحجر البازلتي ويتسع لعشرة آلاف متفرج، ويبلغ عرض منصة التمثيل 45.5م بعمق 8 أمتار، ومن ضمن آثار بصرى المعبد النبطي والقصر ومعبد حوريات الماء والكاتدرائية والجامع العمري وهو أول مسجد بني في سورية عند الفتح وعرف بهذا الاسم نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
خارج القلعة حاصرنا أطفال ظرفاء ألحوا علينا بشراء قطع معدنية أثرية نادرة - كما يدعون - بأسعار مغرية، وبعد أن يئسوا انصرفوا بهدوء إلى زوار آخرين.
معلولا وصدنايا
تربض بلدة معلولا على سفوح جبال القلمون وتبعد عن دمشق مسافة تقدر بـ 57 كم شمالا على ارتفاع 1600م عن سطح البحر، ولا تكاد ترى إلا لمن يقصدها، هادئة ساكنة إلا من حركة بسيطة لسكانها. وقد فرض الطابع المدرجي على معلولا مشقة في الحركة لكثرة الممرات الضيقة والمتعرجة، ويتحدث أهل معلولا لغة خاصة تسمى المعلولية وكانت منتشرة قبل الفتح الإسلامي الذي ساهم في انتشار اللغة العربية وانحسار اللغة المعلولية إلا من ثلاث مناطق: معلولا وجبعدين وبخعه.
وتمتاز معلولا بكثرة الكنائس والأديرة أهمها دير القديسة تقلا اسطورة هروب الابنة المسيحية من جيش أبيها الوثني، وكيف تدخلت العناية الإلهية لتنقذها لتشق لها ممرا في الجدار الضيق لتلجأ إلى مغارة يرشح منها الماء وسكنت فيها الى ان ماتت هناك وسمي الفج تكريما لها فج مار تقلا.
وخلفنا معلولا متجهين إلى دير صدنايا الذي توجد به أيقونة السيدة العذراء كما توجد به أيقونات فنية للسيدة العذراء يرجع تاريخها للقرنين الخامس والسادس بعد الميلاد.
طريق مشحون
مع زقزقة عصافير الصباح بدأت رحلتنا إلى حلب. النسمات العليلة نعجز عن تجاهلها بإغلاق نوافذ السيارة، شوارع دمشق تخلو من المارة والسيارات. الساحات والميادين بدت أكثر وضوحا وصفاء، وشيئا فشيئا اختفت دمشق وراءنا، شاحنة مرت بجانبنا كتب سائقها دعاء قليل الكلمات عظيم المعاني: «يا رب ارزقهم ضعف ما يتمنون لي».
أشجار الصنوبر تميل بجذعها مع اتجاه الريح حتى تجمدت على هيئة الاتجاه، فإن هبت ريح أو توقفت ظلت الأشجار صامتة في مكانها، هريسة النبك التي توقفنا لتذوقها كانت لذيذة ولكن حلاوتها الفائقة لا تسمح بتناول قطعة ثانية إلا ومعها قنينة من نبع الفيجة، كان زميلي المصور يجهز معداته لأننا اقتربنا من حماة ونواعيرها الشهيرة.
رائحة الماء والبساتين تفوح برائحة الحياة والمزاج الرائق، والنواعير تدور دورتها اللامتناهية، هذه هي حماة الهادئة الوديعة الساحرة التي قال عنها الشاعر أحمد الصافي النجفي:
هذي حماة مدينة سحرية
وأنا امرؤ بجمالها مسحور
يا ليت شعري ما أقول بوصفها
وحماة شعر كلها وشعور
وقفنا على جسر عبد القادر الكيلاني المطل على الجامع النوري الذي بناه السلطان نور الدين زنكي سنة 558 هـ/1162م، وعلى ناعورة تعمل بالقرب منه، وقد أحزنني أن قوة اندفاع نهر العاصي لم تعد كما كانت كافية لدفع النواعير وأصبحت الكهرباء هي الوسيلة الوحيدة لتحريك النواعير بين الحين والآخر.
زينت أشجار الفستق الحلبي طريقنا نحو المعرة فقد رافقتنا طويلا حتى نزلنا للسلام عليها، أمسكت ببعض حبات الفستق وكانت خضراء محمرة لينة كخدود البنات، لقد اقترب موعد الحصاد ولو تأخرنا قليلا لملأنا جيوبنا بالفستق الحلبي.
معرة رهين المحبسين
شاعر وفيلسوف عربي شهير من العصر العباسي شغل الناس بحكمته وعلمه، فقد بصره في الرابعة من عمره بعد أن أصيب بالجدري وكانت تلك أولى مصائبه وقال مخففا عن نفسه: «أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر».
في طريقنا من دمشق إلى حلب التي شارفنا على بلوغها، خفق قلب مرافقنا الدمث محمد فقد اقتربنا من موطنه معرة النعمان وهو الذي حدثنا عنها منذ عرفناه، دخلنا المعرة وقطعنا فيها طريقا ينتهي بسوق شعبي للخضار تجاوزناه بصعوبة حتى وصلنا إلى مبنى المركز الثقافي أو ضريح شاعر المعرة أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري (973م - 1058م) الذي أخذ لقبه منها وأعطاها شهرة أبدية.
درس في حلب وطرابلس وأنطالية عند تلاميذ النحوي ابن خالويه وبعض أبياته تستخدم إلى اليوم مضربا للأمثال، وعوضه الله بذاكرة قوية اختزن فيها العلوم والدروس التي جمعها في رحلة حياته الطويلة، ويحكى انه عندما كان في بغداد أحضر للشهادة لحادثة حضرها قبل عام بين شخصين أحدهما أنكر انه تسلم مالا من الثاني، والشاكي تذكر أن رجلا أعمى كان يجلس بالقرب منهما في أحد المقاهي، وعندما جيء بالمعري للحديث قال: هما تكلما بالفارسية التي لا أعرفها ولكني أحفظ ما قالاه فأعاد المعري كل ما سمعه بالفارسية وكان خير بينة استعان بها الشاكي الذي استرد ماله، ينتسب إلى قبيلة تنوخ العربية وجده وأبوه كانا قاضيين للمعرة وحمص وإخوته جميعهم شعراء.
لم يسعفه الحظ بمعاصرة سيف الدولة الحمداني, إذ شب والدولة الحمدانية منشغلة بين فكي الكماشة: الروم من الشمال والفاطميين من الجنوب، ولم يكن يطيق التملق للأمراء والملوك بالرغم من رقة حاله فقد كان عزيز النفس معتدا بها، وكتب في مقدمة ديوان سقط الزند: «لم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلبا للثواب»، وعندما عرف أهل بغداد حق الشاعر ومكانته تقربوا له بالهدايا والعطايا إلا أنه كان يردد:
ولا أطلب الأرزاق والمولى يفيض على رزقي إن أُعْطَ بعض القوت أعلم أن ذلك فوق حقي
وقيل إن مصيبته الثانية التي جعلته يترك بغداد بعد اقل من عامين من قدومه إليها، كانت بسبب الإهانة التي تعرض لها في مجلس المرتضى العلوي اخ الشريف الرضي وليس مرض أمه، فعندما ذكر المتنبي ولم يكن المرتضى يطيقه وبدا ما يسيئه رد عليه المعري المحب للمتنبي بالقول: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل» لكفاه فضلا. فاستشاط المرتضى غضبا وأمر بالمعري فسحب من رجليه مهانا من مجلسه، بعد أن فهم مراد المعري من اختيار هذه القصيدة التي تتضمن البيت الشهير:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ
فهي الشهادة لي بأني كاملُ
وقد تركت هذه الحادثة أثرا بليغا في نفس المعري وهو الشاعر المرهف الحس العزيز النفس. كما ساهمت فجيعته في وفاة أمه في تسريع قراره باعتزال الناس، وقيل إنه اعتزل في كهف وعاش على ثلاثين دينارا من مال محبوس، كما امتنع عن أكل لحم الحيوان والبيض واللبن مدة أربعين عاما لم يركن فيها إلى السكون بل واصل أعماله وقدم أفضلها في العزلة مثل «اللزوميات» و«رسالة الغفران»، كما أن الشهرة التي بحث عنها في بغداد لحقته إلى المعرة، وظل طلاب العلم يترددون عليه دون انقطاع وصحبهم الخير، الذي أعان المعري على حياة الاعتزال. وسجل الرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي مر بالمعرة (1047م) ما رآه من سلطة للمعري في بلدته.
أما مصيبة المعري الثالثة والتي لاتزال تلازمه إلى اليوم فهي اتهامه في عقيدته بسبب آرائه الجريئة في الدين والحياة الآخرة والتي كسر فيها قيد الموروث وحدود المألوف. ووردت تلك الآراء في مجموعته الشعرية الثانية «لزوم ما لا يلزم» والمعروفة باللزوميات. وسيطرت عليه فكرة أن الموت خلاص سعيد من الحياة، ومن الإثم إنجاب الأبناء خشية تعريضهم لمصاعب الحياة:
هذا جناه أبي علي
وما جنيت على أحد
وقد كرمت سورية شاعر المعرة بأن بنت له ضريحا، وأقامت حوله مركزًا ثقافيًا يضم مكتبة عامرة بكتب المعري وموظفين يعرفون قدر شاعر المعرة وكأنهم كانوا من تلامذته.
ومن معرة النعمان توجهنا إلى دير سمعان وهو من قرى المعرة، حيث دفن الخليفة الأموي المشهور بتقاه وورعه عمر بن عبد العزيز هناك، وعند قدميه ابنة عمه وزوجته فاطمة بنت عبدالملك بن مروان كما أوصت في وصيتها، والى جانبهما دفن الشيخ يحيى المغربي سنة 600هـ وكان متعبدا هناك.
وقال الشريف الرضي في دير سمعان:
دير سمعان لا عدتك العوادي
خير ميت من آل مروان ميتك
دير سمعان في مـأوى أبي
حفص فودي لو أني أويتك
حلب.. سعة للناس
تركت كل حضارة قديمة معروفة أثرا ما في حلب وقيل حلب شهدت ولادة التاريخ بدلا من أن يشهد التاريخ مولدها، وكأنها مسيرة للتاريخ لا تعرف بدايته والنهاية أبدية، وتزهو حلب لكونها حفظت للشعوب التي سكنتها ثقافاتها، وشمخت بقلعتها، وكما عرفت المجد عرفت أيام الشدة، حوصرت وهوجمت واجتيحت ورميت بكتل اللهب وهزتها الزلازل المدمرة إلا أنها دائما ما تقف على قدميها من جديد.
وعلى الرغم من مرور 14 قرنا وأكثر على دخول المسلمين إليها، ما زالت حلب تحتفظ بأطياف واسعة من الأديان والمذاهب والطوائف، وأطياف واسعة من الإثنيات والأعراق من غير أن يكون بينهم أي تصادم أو خلاف. ففي حلب 12 طائفة مسيحية وكان فيها قبل اغتصاب فلسطين طائفتان مسيحيتان إلى جانب المسلمين الذين يشكلون أغلبية سكان المدينة، بها ألف جامع ما بين قديم وحديث و600 كنيسة لمختلف الطوائف المسيحية فكانت أنموذجا لمدن الوطن العربي والعالم الإسلامي وساحة كان يعيش فيها كل الناس، وقد سجلت حلب في اليونسكو كجزء من التراث العالمي وتفردت في المجال المعماري بمعلمين مسجلين في قائمة جينيس للأرقام القياسية وهما قلعة حلب كأكبر قلعة في العالم ومعابد تعود الى الالف الثالث قبل الميلاد.
لم يكن لحلب صيت خلال فترة الخلافة الراشدة والأموية والعباسية غير أنها قاعدة الجهاد المتقدمة ضد الروم، وعلا شأنها مع سيف الدولة الحمداني الذي اتخذ من حلب عاصمة لمملكته، وبقدر ما انشغل بقتال الروم فقد انشغل برعاية أهل العلم وبتعمير دولته الفتية وترصيع بلاطه بأجمل الجواهر والدرر من العلماء والشعراء، كل كان الأول في ميدانه، المتنبي الشاعر الأول والفارابي الأول في الفلسفة والموسيقى وابن جني الأول في خصائص اللغة والصنوبري الأول في شعر الطبيعة، حتى قيل: ما اجتمع على باب حاكم من العلماء كما اجتمع في بلاط سيف الدولة.
وفي مرحلة لاحقة وجدت حلب نفسها وسط صراع النفوذ بين بغداد العباسيين وقاهرة الفاطميين، ثم تلقت بصدرها أولى طعنات الحملات الصليبية، إلى أن نجدها الله بعماد الدين زنكي أمير الموصل الذي ضم حلب وجعلها قاعدة الجهاد ضد الوجود الصليبي في الشام، فقطف الثمرة الأولى عندما انتزع الرها أول إمارة من الإمارات الصليبية الأربع مفتتحا حروب الاسترداد وباعثا الأمل في نفوس أمة منكسرة مقطعة الأوصال بين خلافتين للمسلمين عباسية وفاطمية.
وتحولت حلب في عصر بلاط الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي الذي حكمها ثلاثين عاما، درة المدن الإسلامية تجاريا واقتصاديا.
في العصر العثماني تحولت حلب من مدينة ثغور وحدود إلى مدينة تتوسط إمبراطورية مترامية الأطراف، تمتد على نصف أوربا تقريبا والعراق وشبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، وشهد عام 1535م توقيع اتفاقية الامتيازات بين السلطان سليمان القانوني وملك فرنسا فرانسوا الأول، بموجبها قدمت كثير من التسهيلات للدول الأجنبية التي شجعت مع مرور الوقت تنامي جاليات أجنبية في حلب، الأمر الذي رسخ محطة حلب في طريق الحرير الدولي، وانعكس هذا الازدهار الاقتصادي على آلاف الأبنية الباذخة الفخمة وتطور الموسيقى، وتوجد نصوص عمرها أكثر من 300 سنة لاتزال تغنَّى حتى الآن بصوت صباح فخري.
وتميزت الأسواق التي تصل إلى 39 سوقا بأسقفها الحجرية ونظام التهوية والإضاءة السابق لعصره قبل أن تكون هناك كهرباء وتقنيات حديثة. وكل سوق منها يختص بنوع معين من البضائع، ويقدر طولها لو وقفت على صف واحد بسبعة كيلو مترات، ويعود تاريخ إنشاء أغلبيتها إلى القرن الثالث عشر.
وقد رافقنا في رحلة الأسواق الحلبية ابن حلب الصحفي السوري محمد أبو رمضان وكان خير دليل ومرافق لنا، حتى انه كان بخبرته المتراكمة يرشح لعدسة «العربي» بعض الزوايا التي يصعب ملاحظتها بسبب زحمة الأماكن.
الصابون الحلبي
اشتهرت حلب إلى جانب كثير من الصناعات بإنتاج ما عرف بالصابون الحلبي على الرغم من دخول بعض الاجهزة الحديثة إلا ان قسما كبيرا من العمل لا بد أن ينجز يدويا حتى تبقى تلك الصنعة محافظة على بريقها. وإلا فما أسهل أن يلجأ الناس إلى المنظفات العصرية.
عرجنا على أحد مصانع الصابون الحلبي لرؤية كيفية صناعته، ولكن مع الأسف كما قال لنا صاحب المصنع ليس هذا وقت العمل الذي عادة، يكون في الأشهر الباردة، ونحن جئنا في عز الصيف وصابون الغار مثلا لا يتحول كتلة صلبة إلا في الجو البارد بعد ست ساعات من صبه، بعدها يمكن تقطيعه على شكل مكعبات بواسطة أداة خشبية بها شفرات معدنية بقياسات معلومة، وتجمع مكعبات الصابون وتترك لعدة أشهر حتى تكتسب لونها الأصفر ثم تغلف ويتم توزيعها على الأسواق.
كان السؤال الملح هو: لماذا استمرت هذه الصناعة حتى يومنا هذا فأجاب: السر يكمن في المكونات الطبيعية التي تفيد الجسم ولا تضره، لأن الصابون الحلبي عبارة عن خليط من الزيوت الطبيعية المستخرجة من أشجار الزيتون والغار.فزيت الزيوت مثلا بعد عصره جيدا تؤخذ منه بقايا تجفف بالبخار ثم توضع في خزان ذي ضغط عالٍ وفي النهاية نحصل على زيت المطراف وهو المستخدم في صناعة الصابون.
عمران الحداثة
نتيجة شعور الدولة العثمانية بضعفها إزاء التطور الغربي في مجالات متعددة خاصة فما يتعلق بنظم إدارة الدولة والعمران ظهرت في القرن التاسع عشر تحولات على صعيد صورة المدينة وانسجامها العمراني، ففي حلب وهي مدينة تجارية لها احتكاك واسع مع دول أوربية شتى، بدأت تظهر أشكال معمارية مستنسخة لا تمت إلى هوية المدينة بأي صلة، وهذا ما لمسناه في بعض الأحياء التي مررنا عليها ضمن جولاتنا في شوارع حلب.
منذ البداية شعرت بأن حلب مختلفة عن دمشق في أشياء كثيرة، فهي أقرب ما تكون إلى حي كبير يعرف الناس فيه بعضهم بعضًا جيدا، كما وجدت صعوبة في فهم بعض معاني اللهجة الحلبية التي اكتشفت أنها تختلف عن اللهجة الدمشقية، وفيها سمعت أكثر من مرة أن المطاعم والمقاهي للعائلات فقط، وحياة الليل تميل إلى الهدوء أكثر من دمشق الصاخبة. وكما استقبلتنا حلب الشهباء بهدوء ودعتنا أيضا بهدوء ونحن في طريق العودة إلى دمشق مرة أخرى.
في هدأة الليل الدمشقي
لم يتبق لنا في الشام سوى ساعات معدودة، ففي الصباح الباكر ستقلع طائرتنا عائدين إلى الكويت، وقبل ذلك كانت لدينا مهمة أخيرة مع صديق قديم وعدنا بجولة ممتعة. سرنا أولا في الصالحية، محاولين استنطاق حارة الصالحية القديمة فلم نجد الصور العابرة التي حاكتها الدراما التلفزيونية، وأطعمتنا إياها قبل وبعد الفطور في شهر رمضان فما وجدناه هو سوق رائج يبيع الملابس، فلا فتوات ولا زعران ولا عقداء ولا مجلس (أعضاوات) ولا فرنساوية، واكتفينا بالفرجة وشربنا عصير برتقال.
صديقنا الدمشقي جال بنا في هدأة الليل في شوارع دمشق القديمة شارحا متحمسا عن تاريخ الأماكن المجهولة والأرواح التي استوطنت الحياة برهة ثم عادت إلى بارئها، سمعت منه تاريخ الناس البسطاء وأجمل الأماكن التي كان يلعب بها، سألته عن البيوت القديمة وهل يمكنني زيارة أحدها يوما ما، ابتسم ورد: كلها دقائق وطلبك سيكون جاهزا، تلفت حولي قلت: أين؟ وأي بيت يقبل باستقبالنا الآن؟.. رد علي بلهجته المميزة «طول بالك أبو الخل عشو مستعجل؟» وفي زقاق ضيق يكاد يتسع لمرور سيارة واحدة صغيرة الحجم عبرنا حتى وصلنا لمكان ذي واجهة مضيئة أنارت جنبات المكان، قال لي الصديق: تفضل بالدخول هذا بيت دمشقي كما طلبت، ودخلت كان البيت كما طلبته ولكنه تحول مطعمًا فاخرًا. الحديث دار حول ظاهرة البيوت الدمشقية العتيقة التي تحولت مطاعم تقدم أشهى المأكولات الشامية، فهي من جهة مربحة ماديا ومن ناحية لم تعد هذه البيوت تروق لأبناء الجيل الجديد، كما أن كثيرًا من تلك البيوت يقع في قلب مشاريع اقتصادية نهمة، أما الأحياء القديمة فمازالت على حالها مع بعض التعديلات الضرورية والإضافات.
انتهينا وكان القرار أن نعود مشيا على الأقدام من هذا البيت المطعم أو المطعم البيت إلى الفندق. في الطريق وجدنا حياة أخرى في المساء لتجار «على قد الحال» يفترشون الأرض ويبيعون كل شيء.
هذه الأجواء ذكرتني بالمدن التي لا تنام، وبينما كنا نسير لمحنا سيارة رش تكنس الشوارع بخراطيم المياه المندفعة بقوة، لتمسح إرهاق يوم فات وتفرش الطريق ليوم جديد باسم.
إلى اللقاء يا شام..
وددت لو زرعوني فيك مئذنة أو علقوني على الأبواب قنديلا.
لقاء مع مدير الأمانة العامة لحلب عاصمة الثقافة الإسلاميةمحمد قجة: علم التاريخ يستند الآن إلى الآثار وليس الأساطير
التقت مجلة العربي على هامش رحلتها إلى مدينة حلب بمدير الأمانة العامة لاحتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، الأستاذ والباحث محمد قجة وهو أيضا رئيس جمعية العاديات، للتعرف على مدى النجاح الذي تحقق من خلال أنشطة وفعاليات حلب، وللإجابة عن السؤال المحوري في لقائنا معه، وهو ماذا قدمت حلب للإسلام؟ وماذا قدم الإسلام لحلب؟. عندما تم اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية كان ذلك ضمن سياق رؤية إستراتيجية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، هذه الرؤية الهدف منها اختيار مدن على امتداد العالم الإسلامي يتم من خلالها تقديم صورة الإسلام الحقيقية مقابل الفكرة المشوهة التي فرضت علينا وهي أن الإسلام دين الإرهاب والقمع والدماء، فضلاً عن التعميم الناتج من تصرفات بعض الأفراد بأن هؤلاء هم الذين يمثلون كل العالم الإسلامي، وعلى هذا الأساس تم اختيار مكة المكرمة أولا في 2005 لتكون عاصمة الثقافة الإسلامية.
وفي العام التالي ووفق معايير متفق عليها تم اختيار ثلاث مدن لتكون عواصم الثقافة الإسلامية، وهذا الترتيب يمتد لعشر سنوات، فكانت المدينة العربية لعام 2006 هي حلب والآسيوية طهران والإفريقية تمبكتو في جمهورية مالي.
وقد حاولنا وضع برنامج واسع أردنا من خلاله أن نظهر دور حلب في ميدان الحضارة الإسلامية على كل المستويات الثقافية والمعمارية والاقتصادية، وان نظهر دور الإسلام في إعطاء هذه المدينة هويتها النهائية في ردائها الفضفاض المرن الواسع، فهي وبعد مرور 15 قرنا على دخول المسلمين إليها مازالت تحتفظ بأطياف واسعة من الأديان والمذاهب والطوائف.
وهذا أمر اعتبرناه دليلا على أن الإسلام يقبل بالآخر ويحاوره انطلاقا من أساس أخلاقي راسخ يقول {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ومن منطلق {إن أكرمكم عند الله اتقاكم} وتكريسا لهذا الأساس الأخلاقي أعددنا برنامجا متعدد المحاور، الأول كان ثقافيا حاولنا فيه الإجابة عن هاتين النقطتين ماذا قدم الإسلام لحلب؟ وماذا قدمت حلب للإسلام؟، نظمنا على أساسه 27 ندوة دولية شارك فيها 900 باحث يمثلون عددا من أقطار العالم بالإضافة إلى باحثين محليين، ومن تلك الندوات «فلسفة العمارة الإسلامية.. حلب نموذجا» ودور حلب في حوار الحضارات عبر التاريخ وخلصنا إلى أن هذه المدينة كانت دوما مساحة يعيش فيها كل الناس.
وأشار قجة إلى التراث غير المادي والمقصود به الغناء والتصوف وأسس العادات والتقاليد، كما تم التركيز على الزوايا الصوفية كالمولوية والهلالية والرفاعية والنقشبندية التي لاتزال تعمل حتى اليوم ودورها في تطوير الإنشاد الديني وكيف أن الفكر الصوفي يعد فكرا متسامحا في التاريخ الإسلامي، وتوقف قجة عند المرحلة التي أقام بها الحلاج في مدينة حلب ثلاث عشرة سنة متواصلة أيام الظاهر غازي الأيوبي.
وعرض قجة أهم أعمال الترميم التي أنجزت وهي الجامع الأموي بحلب، وكشف السور الغربي لمدينة حلب الذي كان مغطى ببعض الأبنية العشوائية، كما أن العمل مستمر بمارستان النوري الذي يعود لأيام نور الدين زنكي قبل 900 سنة، ترميم وتأهيل بيت اسمه بيت غزالة لاتخاذه متحفا لذاكرة المدينة، تسجيل وتدوين الأصوات والقدود والمواويل غير المدونة، وهناك فريق عمل متخصص بهذا الشأن يسابق الزمن في مهمته لان تلك الأعمال تموت بموت أصحابها.
وهناك قرار بإنشاء متحف المتنبي في المكان الذي يوجد فيه بيته في الفترة التي سكن فيها حلب مدة عشر سنوات وفي رحاب سيف الدولة الحمداني. وقد حققت هذا المكان وتأكدنا من صحته، وكانت البداية من كتاب «بغية الطلب في تاريخ حلب» لابن العديم الذي سكن بدار بني كسرى وكانت دار المتنبي ملاصقة لدار ابن العديم.
عند الصعود إلى القلعة هناك جامع صغير إلى اليسار يعود إلى فترة نور الدين زنكي، وأمام هذا المسجد إلى اليمين تجري عمليات التنقيب وفي هذه المنطقة ظهرت طبقات تاريخية وحضارية عدة، فقد ظهر ما تسمى بالبئر الأيوبية ويبدو أنه وخلال الهجوم المغولي على حلب عام 1260م ألقي في هذه البئر كثير من القطع الثمينة كالدراهم والفضيات قبل أن يدخل هولاكو القلعة ويهدمها بعد أن نقض عهد الصلح مع الأسرة الأيوبية التي تمت تصفيتها وفي طبقة أخرى ظهرت لدينا نقود وآثار تعود إلى الفترة الحمدانية وفترة الوجود البيزنطي في حلب، ولكن من أهم ما عثر عليه هو معبد «إله الطقس» إله حلب القديمة، وتعود إلى نهايات الألف الثالث وبدايات الألف الثاني قبل الميلاد وهذه فترة مملكة ينحاظ، ونفس الصفات الموجودة في ذلك نراها متشابهة مع صفات الإله زوس الإغريقي وجوبيتر الروماني، وهذا الاكتشاف المهم متصل بالتاريخ الحضاري للمنطقة وليس لمدينة حلب فقط، وهو يؤكد على مجموعة من الحقائق التاريخية ومنها أن الحضارة الإغريقية هي البنت الصغرى لحضارة وادي النيل وبلاد الرافدين، لأن علم التاريخ يستند الآن إلى الآثار وليس إلى الأساطير.
getTitleAuthor()
إبراهيم المليفي

http://www.alarabimag.net/arabi/Data/2008/1/1/Art_81979.XML

Wednesday, October 03, 2007

الحلبيون يتكلمون السوريانية ..!!!! بقلم المحامي علاء السيد مساهمات القراء

الحلبيون يتكلمون السوريانية.. ج 2 .. بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء
كان سكان حلب قبل الفتح الاسلامي ، سوريانيون ، يتكلمون اللغة السوريانية ، التي تعتبر ابنة الارامية ، هذه اللغة التي تكلمها السيد المسيح ، وهي لغة الانجيل ، والتي انتشرت جغرافيا فتكلمها اهل بلاد الشام وبلاد الرافدين واهل بلاد النيل ( مصر الحالية ) وتكلمها الفرس في فترة من الفترات ، وتعتبر هذه اللغة تؤام اللغة العربية .

وصمدت هذه اللغة امام لغات الغزاة الفرس واليونان والروم لبلاد الشام ، ولكن بعد الفتح الاسلامي تضاءل استعمال هذه اللغة واقتصرت على قرى محدودة كمعلولا وجبعدين ، وعلى رجال الدين من الطائفة السريانية في الكنائس ، وبقيت بقاياها في الكلام الذي يتناقله الناس في حياتهم اليومية .
وكنت قد عرضت في مقالتي السابقة ( الحلبيون يتكلمون السوريانية ) لنص كامل يتضمن الفاظا يتداولها الحلبيون يوميا دون ان يدروا بأنها سوريانية .
واورد في مقالتي هذه نصا ثانيا اغلب كلماته سوريانية ، وفقا للمعجم السورياني ، وهي الكلمات التي وضعت بين قوسين :
ـ قام يوسف ليلبس ، (بحبش عالتاسومة واكلت معو ) الشغلة نص ساعة ، وما لاقى غير (الاسكربينه ) ، (بعق ) لأموا : صاير منظري (هردبشت ) ، و(عبيتمقلسوا ) علي رفقاتي ، ما (عبتطسي ) منظري .
ـ قالتلو امه : حاج (تنق ) ، (التوك ) منك ، مو من رفقاتك ، بدك ( تتبهنك و تتبهور وتجخ ) وانت لسا (تلميذ ) ، بقا لما تصير (زلمه ) اش بتساوي ، ( انجوق ) رفقاتك وحاج ( تكر وتتسهسك ) معون ، (الصوج ) علي عطيتك وج ، استنى شوي ( بلكي ) بنزل بسوم لك ( كلاش ) ، مفكر حالك (حربوق ) ، خرج تشتري لحالك ، ( أشكرة ) بيضحكوا عليك ، أصلا مبين (طشم ، وتنح ) .
(ردحلا ) وقال : (اتاري ، عبتخاوزي ) بيني وبين اخواتي البنات ، هنن بس ، بتاخدين (تش وبتزوزقين ) ، (مرستقين ) حالكون مع بعض ، بدي اشكيك لابوي .
قالتلو : حاج (تأنكل وتضرب عونطا وتفسفس ) لابوك ، ( اصطفل ) ، بدي اقولو عبتشرب ( تتن ) ، وانو القصة (كيت كيت ) .
قام ( تعشبق ) فيا ، و( غبق ) ، و( مجق ) ايدا ، و(شلح ) تيابه و( زتون ، وتكمكر ) ، وقالا : دخيلك والله ( بسرجلني ) .
وهذا النص مفهوم تماما للحلبيين وسوف اشرح بعض الكلمات التي وردت فيه بالفصحى لنلاحظ الفرق :
التاسومة والاسكربينة : من انواع الاحذية .
اكلت معو : أي استغرق .
هردبشت : معدوم الاناقة .
عبيتمقلس : يسخر .
عبتطس : ترى .
التوك : الخطأ.
تتبهنك و تتبهور وتجخ : تسرف في الصرف وتتظاهر وتنفق بلا طائل .
انجوق : دع .
عبتخاوز : تنحاز لجهة دون اخرى .
مرستقين : اموره مضبوطة ومستقرة .
مجق : قبل من القبلة .
اما اسم مدينة حلب فهو اسم سورياني بحت و يعني المدينة البيضاء ، فكلمة حلب تعني الابيض بالسوريانية .
وينفرد السوريانيون بتسمية الحليب حليبا بسبب بياضه ، بينما نرى ان بقية البلدان العربية تسميه لبنا .
وبما ان حلب مميزة بالحجارة الكلسية البيضاء ، فقد سميت المدينة البيضاء .
اما كلمة الشهباء فهي كلمة عربية اضافها العرب الى اسم حلب ، و شهباء تعني الابيض بالعربية ، وذلك بقصد تفسير معنى كلمة حلب السوريانية .
والرواية المشهورة أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان لديه بقرة اسمها الشهباء ، وكان يجلس في قلعة حلب ، ويقوم بحلب البقرة فينادي الناس ( حلب الشهباء ) ، ويتسابقون لشرب حليبها ، وهي رواية مهزوزة ، لا دليل تاريخي لها .
فلا يمكن أن يسمي إبراهيم الخليل بقرته الشهباء ، وهو كما يجمع المؤرخون لم يكن يتكلم العربية ، وإنما الآرامية أو السريانية .
ومن الأسماء ذات الاصل السورياني ، والتي تحملها العائلات الحلبية الحالية :
برمدا : وتعني الابن الشارد او ابن المدى ، و داديخي : وتعني العم ، وقطريب : وتعني ابن زوج المرأة ، وصلاحية : وتعني الصحن الفخار الكبير ، وعويرة : تعني المعبر ، ومارتيني : مار تعني السيد و تيني هو التين أي سيد التين ، وقرداحي : تعني الحداد الذي يتعامل مع الحديد والاسلحة من سيوف وغيرها ، وكيروز أو قيروز : تعني الواعظ ، ونوفل : تعني الهابط ، وشحرور : تعني الأسود ، وجوبي : من يعمل بالآبار والجباب ، والشياح : من يعمل بالتذويب ، وتوما : من التؤام .
ومن الاحياء القديمة في حلب والتي تحمل اسماءا سوريانية :
يقول الحلبيون ( بحسيتا اللي ما نسيتا ) ، وبحسيتا هو اسم حي مشهور لدى الحلبيون ، كانت فيه دور البغاء المرخصة رسميا ، والتي ألغي ترخيصها في خمسينيات القرن الماضي ، ونقلت إلى حي الجورة في دير الزور وقتها .
ويوجد حالياً لوحة رخامية جديدة معلقة في مدخل حي باحسيتا ، تهدف الى شرح مصدر التسمية ، وتقول هذه اللافتة أن سبب التسمية يعود الى شخص اسمه ( سيتا ) باح بسر ما ، فسمي الحي ( باح سيتا ) .
وهذا خطا فادح ، فحسيتا بالسوريانية تعني المغفرة والطهارة ، و با تعني بيت ، ويكون معنى الكلمة ( بيت الطهارة والمغفرة ) ، ويبدو أن معبداً أو مكانا مقدسا كان في ذلك الحي ، و لذلك سمي بهذا الاسم حينها .
أما حي بانقوسا فهو بالسوريانية بيت الناقوس ، والناقوس هو جرس الكنيسة ، ويبدو أن كنيسة كانت موجودة هناك فسمي الحي بهذا الاسم ، على خلاف بعض التفاسير التي تقول أن الاسم يعني (بان قوسها ).
و من أسماء الأحياء أيضا الجلوم : التي تعني مكان جز صوف المواشي ، والمعادي : ومعناها التزعزع والارتجاج و يبدو أنها كانت منطقة زلقة ، والنيرب : ومعناها المنبسط من الأرض أو الوادي طريق الماء ، وجبرين : تأتي من جبرا وهو الرجل ، والشقيف : تعني الأرض الحجرية ، وقنسرين : تعني عش النسور ، وميسلون : تعني مسيل الماء ، والعرقوب : وهو كعب الرجل .
المراجع :
ـ نهر الذهب في تاريخ حلب ـ الغزي
ـ بقايا الارامية في لغة اهل صدد المحكية ـ فاضل مباركة
ـ لغة حلب السريانية ـ جرجس شلحت .
ـ لغة السوريين لغات ـ سمير عبده.
الموضوع المتعلق
الحلبيون يتكلمون السوريانية ..!!!!




الحلبيون يتكلمون السوريانية ..!!!! بقلم المحامي علاء السيد
مساهمات القراء
تعلمنا في المدارس أن سكان بلادنا العربية كانوا يتكلمون العربية الفصحى في العصور العربية الإسلامية الذهبية ، و نتيجة لعصور الانحطاط ، و خاصة خلال الفترة العثمانية تدهورت اللغة المحكية ، فأصبحوا يتكلمون بلهجة عامية ، هي اللهجة التي نتكلمها حاليا .

فان تعلم أحدنا ، صار يتكلم بلغة وسط بين الفصحى و العامية ، و في حالات محدودة بلغة فصحى سليمة ، و إن كان جاهلاً كانت لغته عاميةً ، بعيدة عن الفصحى .
و يتميز أهل حلب بلهجة عامية خاصة ، بدأت المسلسلات التلفزيونية السورية تحتضنها ، و تلقى هذه اللهجة رواجا ، و تعتبر لهجة طريفة ، حيث يضحك أبناء المحافظات الأخرى من الكلام الحلبي ( الغميق الجواني ) الذي لا يفهمونه أبدا .
و العجب من أين جاءت مفردات هذه اللغة العامية ، و الجواب المعتاد أنها من المفردات التركية التي سادت أثناء الفترة العثمانية ، و التي شوهت الفصحى ، و آلت إلى ما صارت إليه لغتنا المحكية .
و الواقع ان بعض المفردات التركية ترد فقط في لغتنا العامية ، و هي محدودة ظاهرة ، و لا يمكن أن تكون جميع مفرداتنا العامية قادمة من التركية .
و من كتاب يحمل عنوان ( لغة حلب السريانية ) للمطران جرجس شلحت ، و كتاب ( لغة السوريين لغات ) لمؤلفه سمير عبده ، تبين أن الكثير من المفردات التي نستعملها في لغتنا اليومية هي مفردات سوريانية ، و تبين أن أهل حلب جميعا يتكلمون تعابيراً ولدت نتيجة التزاوج بين اللغة العربية و اللغة السوريانية ، و يستعملون الكثير الكثير من مفرداتها دون أن يعلموا .
و سعدت أن اللغة السوريانية ليست حكرا على أهالي معلولا ، على الرغم من أن أهالي معلولا يتكلمون سوريانية صافية غير مختلطة مع العربية ، و لكن لا بأس فهذا يمنح لهجة أهالي حلب نكهة تاريخية خاصة ،تجعلها لهجة تختلف عن اللهجات السورية الأخرى .

و على سبيل الطرافة إليك نصاً يتكلمه الحلبيون يومياً في تعاملاتهم ، و أغلبه باللغة السوريانية باللهجة الحلبية مع القليل من التعابير العربية :
( أول ما جهجه الضو ، اجا يوسف ليشطف البيت ، منشان البق ، سكّر باب الصئاء ، شلح الشحاطة منشان ما يجقجق ، و جرجر الكراسي و أصيص الزريعة ، تكتك شلون بدو يشطف ، بحبش شوي ، دندل الزنبيل و شقل المي من الجب ، سخنا عالنار لبقبقت و بربقت ، و كتا بالحوش الجواني بالطاسة لانو ما عندن قسطل و صهريج و خرطوم ، و دعك الارض منيح من الزفر لانو دبقة ، فك الكمر ليترحرح و شلح الشلحة ، منشان ما تتشحور ، و شلفا وراه ، و فشّخ فوق المي ، و دقّر شوي ، و بعدين نط ، تفشكل بكومة دف ، و انطبش جواتا، طبشة قاتولية ، و انجرحت ايدو واوا ، حشّك ، و بعق و جعّر آخ يا يامو ، يا يابو ، اجت امه و بإيدا الطواية و الشمشاية ، و قالتلو يي يي ، ليش عبتحركش و تنكّش ، متل البوبو ،كنت امسوك الدربزون ، اش معمصة عيونك و مفشفش ، بروك عالبرطوش ، و تلقح عالزيق ، و حاج تطرطق و تفرتّك ، دحتّه دحة ، و جابت لو شقفة شرشوطة و ربطتا ، بعد ما خسلتا بالمي ، و طرطشت تنورتا ، و قالتلو قوم تغندر ، هادا كلو لقش و لعي سورياني حلبي )

و طبعا النص مفهوم تماما لأهل حلب ، و هو يعني :
عند طلوع الضوء و إشراق الصباح ، أراد يوسف أن يغسل بيته لوجود الناموس ، أغلق باب الدار ، و خلع حذائه لئلا يدوس فوق الماء و يلوث الأرض ، و أزاح المقاعد و أحواض الزرع ،خطط طريقة الغسل ، بحث قليلا ، و رفع الماء من البئر ، و قام بتسخينها حتى تعالى صوت غليانها و صبها في ارض الدار بالوعاء ، لعدم وجود خزان ماء و أنابيب في منزلهم ، و حف الأرض المتسخة و الدبقة ، وخلع حزامه و لباسا يرتديه و رماه خلفه ، خشية أن يتسخ بالهباب الأسود ، ليكون لباسه فضفاضا، ثم تمهل قليلا و بعدها قفز فوق الماء ، فتعثر بكومة أخشاب ، و سقط سقطة أليمة و جرحت يده ، شتم و نادى : يا أماه يا أبتاه ، فجاءت أمه و بيدها وعاء الطبخ و ملعقة كبيرة ، و قالت : واه ، لماذا تبحث بين الأغراض مثل الأطفال الصغار ، كان يجب أن تمسك بالسور الحديدي ، و هل عيناك مغمضتان و قواك ضعيفة ، اجلس على عتبة الباب و تنحى جانبا ، و ضربته ، وجلبت له قطعة قماش و ربطتها بعد غسلها بالماء ، و تناثر الماء فأصاب رداءها ، و قالت له هيا قم فامشي متبخترا ، كل هذا الكلام باللغة السوريانية الحلبية.

و الفرق واضح بين التعابير الواردة في النص الأول و الواردة في النص الثاني الشارح لها ، فأغلب الكلمات في النص الأول هي كلمات سوريانية بلهجة حلبية ، يتداولها الحلبيون دون علمهم بذلك .

و في هذه الايام يُنظر لمن يستعمل هذه الالفاظ شذراً ، مع أنها ألفاظ متحدرة من لغة قديمة عريقة ، عمرها ألاف السنين .
و هي اللغة التي كانت سائدة قبل الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام ، و قد تمازجت و اختلطت مع اللغة العربية الفصحى ، فكانت لغة الشعب ، بينما كانت اللغة العربية الفصحى هي لغة رجال البلاط و رجال الدين و العلماء و الشعراء.
و أخيراً ان اللغة السوريانية عمت و انتشرت ، و تكلم بها المواطنون العموريون و أحفادهم الآراميون و جيرانهم الكنعانيون و فرعهم الفينيقيون ، و اخوتهم الآثوريون و منهم الكلدان و العقادون ( الاكاديون ) ، و وصلت الى بلاد الاقباط في مصر الحالية .
تكلموا جميعا بلهجات مختلفة ، و لكن بلغة واحدة .

و تكلم بها المواطنون السوريون تحت الحكم الفارسي ، فدخلت مفرداتها اللغة الفارسية ، و اخيرا تمازجت هذه اللغة مع اختها العربية ، و نتجت اللغة التي تسمى عندنا بالعامية ، لان عموم الناس تتكلم بها .
وإنني فضلت أن يلفظ الاسم ( السوريانية ) بدلا من اسمها المتعارف عليه حاليا ، و هو ( السريانية) لأنني اعتقد أنه الأصح و الأقرب لاسم سوريا ، الذي سأفرد له ، لاحقا ، بحثا كاملا عن اصل التسمية و تاريخها .

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=45039

Monday, September 24, 2007

ماذا جرى في مجلس النواب السوري ؟ ... بقلم : المحامي علاء السيد مقالات واراء

ماذا جرى في مجلس النواب السوري ؟ ... بقلم : المحامي علاء السيد
مقالات واراء
ان الوقائع والاحاديث المذكورة ادناه ، مستندة الى احداث حقيقية ، وان أي تشابه بينها ، وبين اشخاص حاليين ، او وقائع حالية .. هو تشابه مقصود .

بعد وفاة الزعيم ابراهيم هنانو عام 1935 - وكنت قد ذكرت في مقالتي السابقة ( دولة حلب ونوابها ) تفاصيل النضال الوطني وحالة رجال الكتلة الوطنية في تلك الفترة - اقيم حفلا كبيرا لتأبينه في الجامعة السورية ( جامعة دمشق حاليا ) وقد حضره زعماء سوريا ، وزعماء من خارج سوريا ، وهاجم الخطباء خلاله الانتداب الفرنسي بشدة.
فأغلق الفرنسيون مكاتب الكتلة في دمشق وحلب ، وقبضوا على زعمائها ، فكان ان اضرب الشعب في سورية الاضراب الشهير عام 1936 والذي طال لمدة ستين يوم متواصلة ، وامتنع الناس عن اخذ الكهرباء من شركة الكهرباء الفرنسية وعادوا لاستعمال الوسائل التقليدية في الانارة ، وقاطعوا عربات الترام وصاروا يمضون لاعمالهم سيرا على الاقدام ، واغلقت المدارس ، واقفلت الاسواق تماما.
وجنح الفرنسيون للمفاوضات ، وطلبوا من رئيس الجمهورية علي العابد تشكيل وفد من رجال الكتلة الوطنية للسفر الى باريس للتفاوض حول معاهدة لانهاء الانتداب .
وتقرر انهاء الاضراب ، وتشكل الوفد من هاشم الاتاسي النائب الحمصي ورئيس الكتلة الوطنية رئيسا للوفد ، ومن فارس الخوري المحامي الدمشقي ، وجميل مردم بيك الداهية الذي افقدته انتهازيته الشديدة ثقة الشعب فيه فيما بعد ، وسعد الله الجابري المحامي والزعيم الحلبي.
والامير مصطفى الشهابي الذي صار محافظ حلب لاحقا ، والمحامي ادمون الحمصي .
وامضى الوفد ستة اشهر في مفاوضات مضنية ، وخرجت الناس في الشوارع تردد: "هاشم بك الأتاسي، بباريس فاكر أو ناسي، أوعا تنسى مطلبنا، مطلبنا الوحدة السورية، ما تبيعوها بالكراسي".
وتم في النهاية الاتفاق على مشروع معاهدة تتلخص بزوال الانتداب واستقلال سوريا ، وان يكون هناك معاهدة سلم وصداقة وتحالف بين فرنسا وسوريا مدتها خمس وعشرون عاما ، ويجب ان يقر المعاهدة البرلمانان الفرنسي والسوري كي تنفذ ، ومن ثم يتم تبليغها لجمعية الامم لكي تقبل سوريا فيها .
ورجع الوفد الى سوريا بالقطار من باريس ، ونزل في محطة بغداد حيث استقبل استقبالا منقطع النظير .
واستعرض اعضاء الوفد الالوف من المستقبلين من على شرفة فندق بارون ، وطال الاستعراض لمدة اربعة ساعات ، ينظمهم كشافة القمصان الحديدية .
وطلبت الكتلة من رئيس الجمهورية علي العابد الاستقالة ، فاستقال فورا .
وكان ان تمت انتخابات نيابية جديدة فاز بها اعضاء الكتلة الوطنية بالاغلبية ، وكان عدد النواب خمس وثمانون نائبا جميعهم تقريبا من الكتلة الوطنية .
وتم انتخاب فارس الخوري رئيسا لمجلس النواب ، وهو في الثالثة والستين من عمره وكان من أكثر رجال الكتلة "واقعية" في التعاطي السياسي
و انتخب هاشم الاتاسي رئيسا للجمهورية السورية وهو من اكثر رجال الكتلة مثالية ، وتعينت الوزارة من جميل مردم بيك رئيسا للوزراء الاكثر دهاءا .
و سعد الله الجابري وزيرا للداخلية والخارجية .
و عبد الرحمن كيالي وزيرا للعدلية والمعارف صاحب المواقف المبدئية وشكري القوتلي وزيرا للداخلية والدفاع .
وكان من اول اعمال المجلس تصديق معاهدة التحالف والصداقة المعقودة مع فرنسا ، واصدار العفو العام عن المبعدين والذي عاد بعده سلطان باشا الاطرش والحاج فاتح مرعشي .
والدكتور عبد الرحمن الشهبندر وغيرهم من الوطنيين الى ارض الوطن .
وتولى امانة سر المجلس السيد ناظم القدسي النائب عن حلب ، والعائد حديثا للوطن بعدما درس الحقوق في الجامعة الامريكية ببيروت وفي جنيف.
وسنستعرض البعض من محاضر جلسات المجلس النيابي في تلك الفترة لنرى مستوى الحياة النيابية ، والدور الذي كان يقوم به النواب في تلك الفترة :
جلسة 31/كانون الاول /1936 :
- امين السر ناظم القدسي : سنتلو عليكم تقرير لجنة التحقيق بالطعون بتزوير نتائج انتخابات المجلس النيابي :
لقد اجتمعت اللجنة لمدة عشرة ايام وهي مدة غير كافية لاتمام التحقيق ، وتطلب اللجنة امهالها المزيد من الوقت .
النائب فائز الخوري وهو نقيب محامين دمشق و شقيق رئيس المجلس فارس الخوري : سبق وطعن البعض في نتائج الانتخابات النيابية كما حصل عام 1928 واجرينا التحقيق ، واضطررنا اخيرا للتصديق على النتائج الانتخابية ، فلقد رأى المجلس انه من الحكمة التصديق ، فالتوسع بالتحقيق لا يعطي نتيجة ، والاحزاب التي تنجح اكثريتها لا تفسخ الانتخابات التي ينجح فيها الاقلية من معارضيها ، واقترح ان تبت اللجنة بالطعون اليوم دون تأخير .
الشيخ سعيد العرفي نائب دير الزور : ان اللجنة قد اخذت على عاتقها ان تجعل هذا المجلس مبنيا على على أساس صحيح ، والنتائج تتبع المقدمات فان كانت المقدمة فاسدة فالنتيجة فاسدة ، واقترح امهال اللجنة .
رئيس المجلس : اطرح تقرير اللجنة على التصويت فمن يوافق عليه يشير برفع اليد..
فرفعت الايدي .
السيد حكمت بيك الحراكي نائب معرة النعمان : لا يجوز التصويت برفع الايدي بل يجب تلاوة الاسماء
رئيس المجلس : يكون التصويت برفع الايدي ، او بالقيام وقوفا ، او بالتصويت العلني بقراءة اسم كل نائب وسماع موافقته او عدمها ، و ادعو امين السر لقراءة اسماء السادة النواب ويجيب كل نائب بموافق او غير موافق .
و هنا تلا امين السر الاسماء واجابوا كلهم بكلمة موافق عدا نائب واحد .
- ثم تلى تقرير موقع من اربعين نائبا جاء فيه :
ان المصرف الزراعي الذي تشكل باموال المزارعين لتسهيل مصالحهم الزراعية قد اصبح بما يجبيه من فوائد باهظة مصرفا استثماريا لا يهمه الا الكسب و تأمين الاكراميات لموظفيه فاذا داوم الصرف على هذا السلوك انتقلت الثروة الزراعية من ابناء الامة الى المصرف فيرجى انزال الفائدة الى ادنى حد ممكن .
رئيس المجلس : يحال الى الحكومة للنظر فيه .
امين السر : يوجد عدة مضبطات ومعاريض موقعة من مواطنين مختلفين بطلبات مختلفة فهل نتلوها .
- رئيس الوزراء جميل مردم بيك : لا حاجة لتلاوة هذه المضابط ويكتفى باحالتها للوزارة المختصة ، فاذا كان المجلس سيستمع لكل طلب او عريضة ستجدون انفسكم امام طغيان من الاستدعاءات .
رئيس المجلس فارس الخوري : في الدستور مادة تنص على انه يحق للسوريين ان يقدموا للسلطات والمجلس النيابي العرائض المتعلقة بامورهم الشخصية او العامة .
السيد نوري الفتيح نائب دير الزور : اقترح ان تتشكل في المجلس لجنة الاستدعاءات فللمظلوم الحق ان يراجع هذه اللجنة التي تنظر في استدعاءه ثم تسأل الوزارة المختصة و تأخذ الجواب فان وجدت ان المشتكي على حق ، تعرض ذلك على المجلس .
رئيس المجلس : بعد التصويت تقرر ذلك .
الرئيس : تقدمت الوزارة بمشروع يمنحها حق اصدار القوانين خلال عدم انعقاد دورة المجلس و لمدة ثلاثة اشهر ، وسنسمع تقرير اللجنة الدارسة لهذا المشروع .
السيد فائز الخوري يتلو تقرير اللجنة : ان الامم في دور الانشاء تحتاج الى العمل السريع الحازم والادارة الناجحة ، وهذا يبرر تخلي مجلس النواب استثنائيا عن حقوقه في اصدار القوانين وتفويض الحكومة بذلك لمدة محدودة قصيرة تبلغ ثلاثة اشهر .
هذه الحكومة التي منحناها الثقة وبتنا نرجو الخير على يد رجالها ، وهم من اقدر الرجال حزما ووطنية
و اننا نقترح قبول مشروع الحكومة .
- السيد سليمان المعصراني نائب حمص : اننا نطلب ان تحدد لنا الحكومة الخطوط الكبرى لمشاريعها التي تنوي اصدار القوانين بها لكي نطمئن بعدما نعطيها ما تطلبه من تفويض .
- السيد رشدي كتخدا نائبا عن حلب والذي اسس فيما بعد مع ناظم القدسي حزب الشعب المناوئ للحزب الوطني وريث الكتلة الوطنية :
اعتقد ان طلب الحكومة في محله لما يتمتع به رجالها من ثقة ومصداقية ، ونظرا للحالة الاستثنائية للبلد والتي تتطلب اصلاحا شاملا وعملا سريعا ولكن ارجو ان تقدر الحكومة هذه البادرة ولا تكون هذه الحالة الاستثنائية دستورا تمشي عليه الحكومة في الايام القادمة .
السيد منير العجلاني وهو نائب دمشقي والمرشد العام لحركة الشباب الوطني وفرقة القمصان الحديدية وهو صهر الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الزعيم الدمشقي المعارض للكتلة الوطنية : اننا امام مشروع نتنازل فيه عن سلطاننا و حقوقنا الى حكومة نثق بها ، و ان حق اصدار القوانين لا يمكن ان يمنح للحكومة بهذا الاطلاق ، لان هذا العمل انتحارا والاجدر بنا ان نعلن انحلال المجلس اذ لا فائدة منه .
فاذا اردتم ان تمنحوها صلاحيات لتكن محددة و واضحة .
- رئيس المجلس: لا تترددوا في اعطاء الحكومة حق اصدار القوانين لمدة ثلاثة اشهر فقط، و بعدها سيجتمع المجلس ونقر اعمالها او نفسخه .
واذا كنا لا نريد ان نعطي الحكومة حق اصدار القوانين فالاولى بنا ان لا نعطيها الثقة .
السيد جميل مردم بيك رئيس الوزارة : ان الحكومة لم تتقدم اليكم بهذا المشروع حبا في شهوة الحكم ، انما تقدمت به للمصلحة العامة ، وبالنسبة لتحديد المشاريع التي ستصدر الحكومة بها القوانين فلا يمكن تجهيزها في بضعة ايام .
السيد سعيد العرفي نائب دير الزور : نطلب من الحكومة ان تكون قوانينها مستمدة من روح الشعب و ان لا تكون ذات ذيول واذناب .
السيد رشدي كتخدا : لقد بحث النواب الكرام هذا الموضوع مليا ، واطلب ان يوضع اقتراح الحكومة على التصويت فاما ان يقبل او يرفض .
وهنا تلى امين السر الاسماء فردا فردا ، فوافق عليه الجميع .
ورفعت الجلسات الى ما بعد ثلاثة اشهر موعد الدورة الثانية .
وعندما افتتحت الجلسة التالية بادر السيد رشدي كتخدا نائب حلب قائلا : سادتي الوزراء لقد تقرر بالاجماع منحكم حق اصدار القوانين ، وقد مضت اربعة اشهر على ذلك دون ان نرى أي عمل او اصلاح يشعر الامة انها انتقلت الى عهد جديد ، و هاهي دوائر الدولة لا زالت تغص بالموظفين الذين لا يتورعون عن عرقلة اعمال الحكومة الوطنية .
السيد فخري البارودي نائب دمشق :ان رئيس الوزارة كان قد وعد باحالة بعض الموظفين السابقين للمحاكم وانا ارجو منه ان يبر بوعده ، ويضرب بيد من حديد على ايدي الموظفين اللذين يضعون العراقيل في سبيل تقدم هذه الامة .
السيد ابو الهدى الحسيبي :لا تخلو وزارة من جماعة شاع سوء تصرفهم ، وهناك منهم من اشتهروا بسوء اخلاقهم حتى ضج منهم الناس ومن استعمال نفوذهم في استباحة المصونات ، وقد اعطى مجلسنا الوزارة اوسع السلطات فهل استعملتها للتخلص من شر هؤلاء .
السيد وهبي العجيلي : ما دامت الخزينة بحاجة ، والعامل وصاحب الشهادة بلا عمل ، والتجارة على شفا جرف ، والمزارع منهوك القوى ، والحدود مهددة ، مطموع بها ، وفوق ذلك لا زال الكثير من المعاول الهدامة متربعين على كراسي الوظائف يمتصون دماء الامة وينتقمون من ابنائها فماذا فعلت الحكومة .
السيد عبد القادر رحمو الشهابي نائب الباب : اطلب نقل قائمقام الباب المعروف بافعاله الكثيرة غير المرضية ، فقد حبس السيد عبدالله النجار خمسة ايام بشكل غير مشروع ، ولم نعهد في القانون ان القائمقام له صلاحية حبس الناس ، فلماذا المحاكم اذا ....
و ان الوطن السوري واحد ونقله الى مكان آخر مصيبة للامة ايضا ، لكن نقله اهون الشرين .
الرئيس : يحال الطلب الى لجنة الداخلية .
نائب حلب السيد هرانت سلاحيان : ان موظفي العدلية من قضاة وغيرهم ، لا يوجد لهم وقت محدد لرؤية المحاكمات وقبول المراجعات ويحضر المواطنون ويستنظرون امام باب المحكمة لساعات ، والدعوى الصغيرة تمر عليها السنين دون بت واقترح ان تكون المدة الاجبارية لحسم الدعوى التي من نوع القباحة ( المخالفة ) لزوم حسمها خلال شهر واحد ، والجنحة خلال ثلاثة اشهر ، والجناية خلال ستة اشهر .
اما الدعاوي المتعلقة بالاموال ، فالتي يدور النزاع فيها حتى خمس وعشرين ليرة خلال شهر ، ومن خمس وعشرون حتى مئتا ليرة خلال ثلاثة اشهر ، وما فوقها خلال ستة اشهر ، وعلى ان تقدم المحكمة اسباب التأخير في حال حصل ، ويكون مسؤولا امام القانون من سبب التأخير .
الرئيس : يحال الى لجنة العدلية .
السيد جميل مردم بيك رئيس الوزارة : نعرض عليكم مشروع الموازنة للاطلاع عليه ومناقشته .
السيد منير العجلاني : بعد تدقيق المشروع الذي تقدمت به الحكومة اقول ان هذه الموازنة يا سادتي ليست موازنة دولة حديثة .
فانكم تبحثون فيها عبثا عن الاموال التي اعتمدت للتجارة وللصناعة وللاعمال فلا تجدون شيئا، اما الزراعة فانها تنتحر .
فالضرائب لم تزل هي هي ، ودوائر الحكومة كما عهدناها ، مثل ذلك كمثل صاحب مطعم غير قائمة الطعام وبقي طعامه كما هو .
لقد كنا ننتظر تطهير الحكومة من الموظفين العاجزين فلم تفعل ، وقد قام احد الاحزاب في الخارج بجعل شعاره المكنسة ليكنس الوسخ من المؤسسات فليكن شعارنا ( كنس كل الاوساخ ) .
اما الوظيفة والموظفون فهي في بلادنا كالمقاهي يدخلها من اراد، ولا ادري ما يمنع الحكومة من تسريح بعض الموظفين ، وهيئة الموظفين تشبه السمك اول ما يفسد فيه هو الرأس ، فراقب الرؤوس وارم بالفاسد الى الارض .
اما انت يا سيدي وزير المعارف فلقد قلت انك تشتغل في وضع مناهج التعليم واقول لك اننا نحتاج الى العلم ، ولكننا بحاجة اكبر الى الاخلاق فلا يمكنك ان تعهد بالتعليم والتهذيب الى رجال لم يعرفوا بالتهذيب ، اما الزراعة فهي مقياس رقي الامم والفرق بين العصور القديمة والعصور الحديثة انه كانت هناك قديما سنوات سمان وسنوات عجاف ، اما في العصر الحديث فقد استطاع الانسان تخزين المياه بعد حفر الابار وانشاء قنوات الري ، ويخيل الي اننا ما زلنا في العصر القديم لان السنوات العجاف لا تفارقنا .
اما العمال فمن يتعهدهم ، ففي الدول المتقدمة وزارات مخصوصة لا شغل لها الا العناية بالعمال والعاطلين منهم وتلتمس لهم شغلا وتساعدهم بالمال وتصلح من نظام معيشتهم .
اما الضرائب ، فلا يجوز للدولة ان تنتزع من فم الرجل لقمته المغموسة بالدم ، بل يجب عليها ان تترك ما يكفيه لمعيشته ثم تأخذ مما يزيد على حاجته .
رئيس الوزراء جميل مردم بك : ايها الاخوان انني اعرف ان الوقت محدود ، و لا يمكن ان نطلب من المجلس النيابي كل شيء ، وبالمقابل لا يمكن ان نطلب من الحكومة كل شيء .
الامة وضعت ثقتها بكم ، وبدوركم وضعتم ثقتكم بنا ، لا اريد ان ادافع عن سياسة الحكومة ، ولا ان اطلب ثناءا على اعمالها ، ولكنني اريد ان يحكم على اعمالها بنزاهة ، لان النقد النزيه يصلح الامر .
واريد ان اقول كلمة الى بعض اخواننا النواب : ان النيابة هي عبء ثقيل ، ومن واجب النائب ان يفكر بأن هدفه الصالح العام ، وليس تحقيق اغراضه الشخصية ، ولا يجوز للنواب استعمال نيابتهم في تحقيق اغراضهم الشخصية ، وشكايات كثيرة تصلنا وتنم عن بعض التدخلات الشخصية واقول ان الحكومة واقفة بالمرصاد لكل من يشذ عن القانون .
فإني ارجو بعض اخواننا النواب ولا اقصد جميعهم ، رجاءا حارا بأن يقوموا بواجبهم في خدمة المصلحة العامة حتى النهاية ، والسلام عليكم .( تصفيق حاد )
ونعود الى مجريات المعاهدة المبرمة عام 1936 والتي ماطل الفرنسيون في ابرامها وصرح وزير الخارجية الفرنسي في النهاية ، وبعد عامين من المماطلة ، بأن الحكومة الفرنسية لا تنوي ان تطلب من البرلمان الفرنسي تصديق المعاهدة .
وردت حكومة مردم بأن ارسلت مذكرة الى المفوض السامي ، قالت فيها ان الحكومة ستأخذ السلطات من دولة الانتداب ، وانه لا توجد صفة قانونية لقرارات المفوض السامي .
وتأزمت الامور ، وطلب المفوض السامي من الوزارة سحب مذكرتها ، فرفضت وقدمت استقالتها ، وتعينت حكومة جديدة لم تلبث بعد شهر ان قدمت استقالتها ، وعقدت جلسات المجلس النيابي تحت طوق عسكري فرنسي ، فلم يستطع اغلب النواب الوصول للمجلس ، ورفض اغلب النواب الدخول في وزارة جديدة قبل تبين الموقف الفرنسي ، وعندما تبين الجميع رفض الفرنسيين النهائي لتصديق المعاهدة ، ثم جرت عملية سلب لواء الإسكندرونة من سوريا وأٌعطي لتركيا بموجب معاهدة أبرمها الفرنسيون مع الأتراك، فاستقال رئيس الجمهورية هاشم الاتاسي في عام 1939 .
ورد المفوض السامي الفرنسي بأن اوقف العمل بالدستور السوري ، وحل مجلس النواب ، وعين مجلس المديرين العامين بدلا عنه .
وقد يكون اقتراب نذر الحرب العالمية الثانية التي قامت بعد شهرين من استقالة هاشم الاتاسي، هو السبب الاكبر في منع قيام انتفاضة وطنية .
من المساهمات
المراجع :
فارس الخوري حياته و عصره للدكتور جورج حداد
محاضر جلسات مجلس النواب ، الجريدة الرسمية .
السياسة السورية و العسكريون ، جوردون توري .
مذكرات اسعد كوراني .
الصراع على سوريا ، باتريك سيل



دولة حلب .. و نوابها... بقلم: المحامي علاء السيد
مساهمات القراء
في ظل موجة الدعاية الانتخابية الحالية لأعضاء مجلس الشعب .. الذي كان قديما يسمى مجلس النواب ... سألت نفسي .. ألم تنجب حلب إلا هؤلاء كي يكونوا نوابا عنها ... وهل حلب عاقر إلى هذه الدرجة .. وهل كان نوابها عبر الزمن .. من صنف المرشحين اللذين رأينا طلتهم البهية طوال الفترة الماضية...

و ما كان مني للإجابة على هذا السؤال إلا أن بحثت في الكتب التي تتناول تاريخ الحياة النيابية في حلب.. ... وصعقت للفارق الشاسع بين نواب ذلك الزمان ونواب زماننا...
ففي عام 1919 منذ حوالي التسعين عاما بدأت الحياة النيابية في سوريا، وكانت أول انتخابات لما سمي وقتها (المؤتمر السوري) ..هذه الانتخابات جرت عندما خرجت البلاد من الحكم العثماني ..و من عصور الظلام كما قيل لنا في المدارس ، عصور الجهل والأمية والفقر ومذابح جمال باشا السفاح .
فمن كان المرشحين وليدي هذه الظروف القاسية ، ترشح حينها عن حلب مجموعة من الوجهاء منهم إبراهيم هنانو والمحامي سعد الله الجابري والدكتور الطبيب عبد الرحمن كيالي والدكتور الطبيب حسن إبراهيم باشا الملقب ( أبونا حسن بيك ) ، وعن باقي المدن السورية هاشم الاتاسي وشكري القوتلي وجميل مردم بيك .
و هؤلاء جميعا كانوا ممن يحملون الشهادات العلمية العليا من جامعات الأستانة ( استانبول ) ، وقد تسلموا فيما بعد مقاليد السياسة في سورية .
و سوف أقوم باستعراض شخصيات هؤلاء النواب والدور الذي لعبوه في مجلس النواب وفي استقلال سورية .
و ابدأ بالنائب الأهم ، وزعيم حلب بلا منازع ، وفقا للتاريخ ، الزعيم إبراهيم هنانو :
فاز إبراهيم هنانو في الانتخابات ، وانتُخب عضواً في المؤتمر السوري ، وكان حينها في الخمسين من العمر ، وعقـد المؤتمر أولى جلساته في صيف عام 1919 ، واصبح هنانو أحد الممثّلين الستة عشر الذين مثّلوا محافظة حلب في المؤتمر.
و تعين هنانو بعد المؤتمر رئيسا لغرفة الحاكم العام في حلب ، وقد أدرك أن الفرنسيين يعملون للقضاء على استقلال سوريا ، وإن صيغة الانتداب هي صيغة احتلال ، فما كان منه عندما توجهت القوات الفرنسية تجاه حلب ، إلا أن اجتمع بالوطنيين من حلب وادلب و كفرتخاريم وحارم وجسر الشغور ومعرّة النعمان ، وبعض مناطق الساحل السوري، وحدّثهم بنيته إعلان الثورة على الفرنسيين الذين كانوا يحتلون وقتئذ المنطقة الغربية من سوريا، أي الساحل الممتد من رأس الناقورة إلى خليج الإسكندرونة.
و بنيته التعاون مع الزعيم التركي الشاب مصطفى كمال (أتاتورك) في محاربة الفرنسيين، مستغلا الخلاف الشديد بين الأتراك والفرنسيين، بعد الوعد الذي أعطاه الفرنسيون بأن يجعلوا منطقة كيليكيا وطناً قومياً للأرمن ، مما أثار حفيظة الأتراك ، وأكد لهم أن القائد التركي الشاب سيزوّده بكل ما يحتاج إليه من أسلحة وأعتده وذخائر.
ومن أشهر أفعال هنانو أنه جمع أثاث بيته وآلاته الزراعية وأحرقها معلناً بذلك بداية الثورة، وضاربا المثل بأن المجاهد يتخلى عن جميع أملاكه في سبيل الثورة .
وشرع هنانو بجمع الرجال، وتدرّيببهم على القتال، وعندما بلغ عدد المجاهدين أربعين مجاهداً ، شعر هنانو بضرورة المال لتمويل الثورة ، فشكل لجنة ، لجمع التبرعات والأموال ، كان ذلك في عام 1920 قبل أن يدخل غورو دمشق بعام تقريباً ، وقبل أن تقوم أية ثورة عدا ثورته على الفرنسيين .
ثم أعلن الفرنسيون قيام دولة حلب في أيلول عام 1920، كجزء من اتحاد الدول السورية ، وكان مركز الاتحاد بداية في حلب ، ثم نقل إلى دمشق ، وكان الحاكم الصوري لدولة حلب القاضي مصطفى برمدا رئيس محكمة التمييز وهو من ملاّك حارم ، وكان لدولة حلب مجلس نيابي صوري اغلب أعضاءه موالين للفرنسيين ، ومنهم غالب إبراهيم باشا رئيس البلدية ، وسليم جنبرت رئيس غرفة التجارة في حينها ، و المحامي ميشيل جنادري وغيرهم .
استمر هنانو مع المجاهدين بالثورة لمدة ثلاثة سنين ، فقد خلالها ابنه طارق ، الذي خرج في مظاهرة ضد الفرنسيين في حلب، فضُرب على رأسه ، فأصيب في عينه، وبارتجاج في دماغه، أفقده قواه العقلية ، فأُدخل في مشفى الأمراض العقلية ببيروت.
و فقد هنانو جميع أمواله ، وأصيب بالسل ، بعد الليالي التي أمضاها بالعراء مع قلة الغذاء .
و كان الحلبيون الوطنيون يؤازرونه ويمدّونه بالمال والسلاح والرجال : ومنهم الحاج فاتح المرعشي ملاّك الأراضي الذي تكفل بتقديم النفقات الأولية لحملة كاملة من المجاهدين ، مع إعاشة عائلات المجاهدين طيلة فترة غيابهم في الجهاد ...و قد نُفي هذا الرجل بعدها لعدة سنوات الى تركيا ، والشيخ طاهر الرفاعي ، والشيخ رضا الرفاعي، والحاج نجيب باقي صاحب وكالات الآلات الزراعية ورئيس جمعية الأيتام الإسلامية ، وعبد الوهاب ميسر التاجر في خان الحرير ومن مالكي الأراضي ، ومحمد وأخيه احمد خليل المدرس من ملاك الأراضي ، ونوري بك الجابري ، والحاج سامي صايم الدهر رئيس غرفة الصناعة وصاحب معامل النسيج ، ومحمد سعيد الزعيم الذي تسلم رئيس غرفة التجارة ووزير المالية لاحقا ، والحاج مصطفى شبارق ، والحاج احمد الأسود ، والحاج سعيد صباغ من أصحاب معامل النسيج ، والحاج ربيع المنقاري من زعماء الأحياء ، ومن الأخوة النصارى السادة ميشيل صايغ صاحب معمل النسيج ، وجرجي جبرا خوام والملقب ( أبو جبرا قطوش ) وهو من أهم زعماء النصارى في حي الحميدية والسليمانية وما زال على قيد الحياة ، وجورج عسال ، وفرج الله هب الريح ، وعبد الكريم فشخ وهو بائع فحم في ساحة الحطب بالجديدة .
وتوالت المعارك حتى خاضت هذه الثورة (127) معركة، وبلغ عدد المجاهدين فيها (377) مجاهداً، استشهد منهم (218) شهيداً.
و لكن يد الغدر امتدت إلى هنانو فعندما سقطت مدينة مرسين بأيدي الأتراك، اضطرت فرنسا إلى التخلّي عن كيليكيا التي وعد الحلفاءُ الأرمنَ بها، وأجاز الفرنسيين لكمال أتاتورك مهاجمة اليونانيين في أزمير ، وابرموا معه معاهدة سرية من ضمن بنودها إيقاف الدعم لثورة هنانو .
ومن ثَم لم يعد مصطفى كمال بحاجة إلى معونة هنانو، فقطع عنه المدد إرضاءً لفرنسا، وسحب ضباطه الأتراك من صفوف الثورة.
و في ربيع عام 1921 سارت حملة مؤلفة خمسة عشر ألف جندي على محاور ثلاث ، للقضاء على الثوار ، وحاول الثوار صدهم مع نفاذ ذخيرتهم وقلة عددهم أمام هذه الأعداد الكبيرة من الجنود الفرنسيين ، والتي استطاعت في النهاية تشتيتهم ، ودخول كفر تخاريم معقل الثوار ، بعدما قصفتها بالطائرات ، وفر المجاهدون بعدما استشهد منهم الكثير .
و وجد هنانو أنه بقي وحده في الميدان، وأدرك أن المقاومة لم تعد تجدي نفعاً، فغادر سوريا عن طريق السلمية ، مع ستة وخمسين ممن بقوا من المجاهدين ، ووقع في كمين فرنسي قرب السلمية ، وتشتت الثوار وتابع هربه وحيدا قاصداً مدينة عمّان عاصمة شرقي الأردنّ التي لم تكن خاضعة للفرنسيين ، فبلغها بعد رحلة شاقة، واستقر فيها بعض الوقت.
وفي النهاية استطاع الفرنسيين اعتقـال هنـانو ..بعدما سلمه الانكليز لهم عندما كان في فلسطين .
وفي صيف عام (1921 م) أُودِع هنـانو السجن العسكري بخان إستانبول في حلب ، وتولى الدفاع عنه المحامي الشاب ابن ثمان وعشرين ربيعا ، فتح الله صقال ، وهو من الأخوة النصارى ، وقرر بناء دفاعه على أن وقائع الثورة لا تبرر اعتبار هنانو مجرماً عادياً، أو مجرماً سياسياً، بل تجعله مقاتلاً في سبيل وطنه وكان القضاة خمسة ضباط فرنسيين ،و طالب النائب العام الفرنسي المحكمة بإعدام هنانو قائلا : لو كان لإبراهيم هنانو سبعة رؤوس ، لطلبت إعدام رؤوسه السبعة، واستمرت المحكمة سبعة أيام ، وفي النهاية وبعد مداولة بين القضاة استمرت لساعتين ، أعلن الرئيس براءة هنانو ، بأكثرية ثلاثة أصوات ضد صوتين، ودوّت قاعة المحكمة بالتصفيق الحاد، وسرت الهتافات كالتيار الكهربائي في أرجاء دار العدل وفي الشوارع المجاورة مردّدة: فليحيا العدل! فليحيا هنانو! فليحيا الأستاذ الصقّال!.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى أُطلق سراح البطل.
وكان على باب السجن عربة يجرها حصانان، وما إن ركبها هنانو ووكيله الأستاذ الصقّال، حتى تدفقت الجماهير كالسيل، فحلّت أربطة الحصانين، وراحت تجرّ العربة بدلاً منهما حتى وصلت إلى دار هنانو، وكانت في أحد أزقة (باب جِنَين)، وكانت النساء يزغردن على طول الطريق من السجن إلى الدار، وكانت المئات منهن واقفات على أسطحه البيوت يمطرن العربة بماء الزهر وعطر الورد.
ومنذ ذلك الحين أحرز هنانو سمعة طيبة وشهرة ذائعة، وأصبح اسمه على كل شفة ولسان، وصار في عداد الزعماء الوطنيين الذين سجّل التاريخ أسماءهم ومواقفهم بمداد الإكبار والإعجاب، فإذا ذُكر سعد زغلول في مصر، وعمر المختار في ليبيا، والأمير عبد القادر الجزائري في الجزائر، ذُكر إبراهيم هنانو في سوريا، لأنه ضحّى كثيراً في سبيلها ؛ ضحّى بماله وصحته، وبابنه طارق، وبعدد من أفراد عائلته الآخرين.
في عام 1924 أعلنت فرنسا عن قيام دولة سوريا ، المؤلفة من دولة حلب ودولة دمشق ، وإبقاء دولة اللاذقية مستقلة .
وعينت رئيسا لدولة سوريا صبحي بيك بركات الخالدي ، وهو من وجهاء إنطاكية المقيمين في حلب .
و كان صبحي بركات من الثوار على فرنسا في البداية كهنانو ، وتصالح مع الفرنسيين لقاء توحيد دول سوريا ، وتعيينه رئيسا عليها ، وكان من الأعداء التاريخيين للزعيم هنانو ، وقد عرف عنه نظافة اليد .
و في عام 1925 : قامت الثورة السورية الكبرى التي بدأت في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش ، وامتدت إلى دمشق وحمص وحماه ، ولم تشارك حلب في الثورة .
و استقال صبحي بركات من الرئاسة بعد قيام الثورة ، موجها كتاب استقالة للفرنسيين فيه الكثير من المطالب الوطنية ، كإلغاء الانتداب وضم حكومة اللاذقية وجبل الدروز لدولة سوريا ، وغيرها من مطالب وطنية .
و عين الفرنسيين حكومة جديدة ، ضمت بعض الوزراء الوطنيين ، وعندما طلب الفرنسيون من الحكومة الموافقة على قصف دمشق بالقنابل لوأد الثورة ، رفض الوزراء الوطنيين هذا الطلب ، فما لبثت فرنسا أن أقالتهم ، ونفتهم إلى الحسكة ومن ثم إلى لبنان ولمدة عامين مع سعد الله الجابري الزعيم الوطني الصاعد ، والذي ترشح بعدها كنائب حلب واستلم منصب رئيس وزراء سوريا لاحقا ، والذي أمضى حياته عازبا لم يتزوج .
و استبدلوهم بوزراء آخرين ، ومنهم شكيب الميسر ورشيد بك المدرس من حلب .
و في عام 1926 :خاف الفرنسيون من امتداد الثورة السورية الكبرى إلى حلب ، فأعلنوا على سبيل التهديد ، أنهم سيجرون انتخابات نيابية محلية بحلب ، لتشكيل مجلس نيابي حلبي فقط ، و لكي ينظر هذا المجلس في إعلان انفصال دولة حلب عن دولة سوريا ، وقرر الوطنيين مقاطعة الانتخابات ، وأصدروا بيانا موقعا من إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري ود عبد الرحمن كيالي والحاج ربيع منقاري والحاج نجيب باقي واحمد الرفاعي وجميل إبراهيم باشا ، طالبين مقاطعة الانتخابات.
و ترشح لهذا المجلس النيابي المحامي عبد الرحمن جوبي ، والشيخ أبو الهدى الصيادي نقيب الأشراف ، وغالب بك إبراهيم باشا وشاكر بك نعمت الشعباني وصبحي بك بركات .
و راجع الوطنيين البعض لسحب ترشيحهم فلم ينسحب منهم إلا المحامي عبد الرحمن جوبي .
و قاطع الناس الانتخابات ، وقامت المظاهرات أمام دار الحكومة ( السرايا جانب القصر العدلي حاليا ) وكان والي حلب مرعي باشا الملاح ، وأطلق الفرنسيون النار من القلعة على المتظاهرين فسقط حوالي التسعين قتيلا ، واستقال الملاح ، وتم تعيين نبيه المارتيني بديلا عنه ، وأمرت السلطات الفرنسية بتوقيف زعماء الوطنيين وحبسهم في السراي القديمة، وقبض على سعد الله الجابري ود عبد الرحمن كيالي ومجموعة من رفاقه بلغوا تسعة وأربعين شخصا .
ثم نقل سعد الله الجابري ، وبعض رفاقه إلى جزيرة أرواد .
و تمت الانتخابات و اخرج الفرنسيون نتيجة الانتخابات بفوز صبحي بركات وشاكر نعمت الشعباني وسليم بك جنبرت رئيس غرفة التجارة ، وغالب إبراهيم باشا رئيس البلدية من حلب ، ونوري الاصفري من ادلب .
و كان الفرنسيون يبحثون عن هنانو خشية أن يقوم بثورة جديدة .
و بعد أربعين يوما أفرج عن الموقوفين ، وتمت الدعوة لعقد مجلس النواب لإعلان قيام دولة حلب واسكندرونة .
و قام هنانو بإقناع النواب المعادين له مستعملا الترغيب والترهيب لحملهم على عدم التصويت ، وأوقف عربته أمام مجلس النواب في موقع المتحف القديم بحلب ، قبل انعقاد الجلسة ليراه النواب الداخلون ، وفعلا وبشكل مفاجئ ، رفض النواب الذين عرف عنهم موالاة الفرنسيين ، قرار الانفصال ، وغادروا القاعة ، وافشل الوطنيين مخطط الانفصال وتقطيع أوصال دولة سورية .
في عام 1928 : عين الفرنسيين الشيخ تاج الدين الحسيني رئيسا للحكومة ،و دامت هذه الحكومة أربع سنوات ، ودعا الفرنسيون لانتخاب أعضاء جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً للبلاد، فأعلنت الكتلة الوطنية قائمتها ، وترشح إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري واحمد الرفاعي ود .عبد الرحمن كيالي والشيخ عبد القادر سرميني ولطيف غنيمة ونقولا جانجي ، وعن الريف ترشح عارف الجزار وجميل إبراهيم باشا ، وفازوا جميعا .
و ترشحت أمامهم قائمة الموالين لفرنسا، فلم ينجح منهم أحد، رغم الدعم الفرنسي الكبير لهم.
و من طرائف هذه الانتخابات أن لطيف غنيمة وهو سكرتير نقيب المحامين بحلب لويس زيادة ، فاز على القاضي والمحامي المشهور نصري بخاش ، فقط لان غنيمة كان في قائمة هنانو ، وقد انقلب بعدها على هنانو ، وسار في ركاب الانتداب .
وانُتخب هاشم بك الاتاسي رئيسا للجمعية التأسيسية ، وانتخب المجلس لجنة لوضع الدستور كان هنانو رئيسها ، وعندما تم وضع مشروع الدستور بشكل وطني ،و قد وقع النواب الوطنيين عريضة يطالبون فيها أن يكون إبراهيم هنانو رئيسا للجمهورية ، ووقع بقية النواب عريضة مقابلة مطالبين فيها بان يثبت الشيخ تاج الدين الحسيني رئيسا للجمهورية .
فطلب الفرنسيين حذف ستة بنود من الدستور الوطني ، وكلها تؤكد السيادة وتعارض الانتداب ، فما كان من تاج الدين الحسيني إلا أن خطب في المجلس مؤيدا لطلب لفرنسيين بحذف هذه المواد ، وما أن نزل من المنصة حتى وقف سعد الله الجابري ناعتا إياه علانية بالعمالة والخيانة ، وعندما أدرك الفرنسيون أن هذا المجلس لا يحقق أمانيهم ، عطلوه لمدة ستة اشهر ،ثم قرروا حله .
و انفرد رئيس الوزارة تاج الدين الحسيني بالحكم ، وأخذ ينفق على المشايخ من أموال الأوقاف ، ويوزع الوظائف على رجاله ، ويقيم المهرجانات التي تقدم له الشكر والثناء ، وبالغ في البذخ ، فاقتنى السيارات الفخمة ، ويقال انه قد استبدل أربعة سيارات خلال أربعة سنين من حكمه ، أي أن رئيس الوزارة كان يبدل سيارته مرة في العام ، واعتبر حينها مبذرا ،خائنا لأموال الشعب .
و افرغ خزانة الدولة بسوء تدبيره وانفق ما يقدر ب ثمانمائة ألف ليرة ذهبية في ذلك الوقت هي احتياطي الدولة .
و قد كان رد الشيخ بأنه انفق هذه الأموال في إقامة المباني الحكومية في مختلف البلدان .
و من المباني التي أنشئت زمن الشيخ تاج الدين ، قصر الحكومة في حلب ( جانب القصر العدلي ) الذي بني في ذلك العهد ، ومستشفى الرازي كذلك ، واتهم الشيخ بسرقة المال العام عن طريق المتعهدين الذين بنوا هذه الأبنية .
و عزل الشيخ القضاة النزيهين ، وعين رؤساء الشرطة من الفرنسيين بدل السوريين ، وأغلقت أية صحيفة معارضة ، وصدر قانونا جديدا اسمه قانون قمع الجرائم وهدفه التنكيل بالوطنيين وإلصاق التهم بهم ، وأمرت السلطات الفرنسية بتحويل الدعاوي ضد تجاوزات الدرك والشرطة إلى المحاكم الفرنسية بعد أن يدفع المدعي مبلغا كبيرا كتأمين كي تقبل دعوته ، فلم يتجاسر احد على الشكوى ضد هؤلاء .
ثم اصدر المفوض السامي الفرنسي عام 1930 ، الدستور السوري واسماه النظام الأساسي ، كما اصدر دستورا للاسكندرونة ودستورا ثالثا للاذقية ورابعا لجبل الدروز .
و أقالت فرنسا حكومة تاج الدين الحسيني، لتوهم السوريين أن كابوس الفساد قد زال، بعد أن استخدمت الشيخ تاج الدين لترويض الشعب، وطرحت حلا وسطا هو الوصول إلى حكومة وطنية عن طريق الانتخابات، وعلى أساس أن تتعاون هذه الحكومة مع فرنسا.
و كانت قائمة الكتلة الوطنية مؤلفة من إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري ود عبد الرحمن كيالي وعبد القادر السرميني وغيرهم ، وكانت القائمة المقابلة تضم صبحي بركات وشاكر نعمت الشعباني وغالب إبراهيم باشا وبسيم القدسي وسليم جنبرت وغيرهم .
وقد زور الفرنسيون النتائج ، بعدما انفقوا كما قيل حوالي الأربعين ألف ليرة كرشاوى ، ولم ينجح من الوطنيين احد في حلب ، وفازت القائمة الموالية لفرنسا بحلب ، وكان حظ الوطنيين أفضل بدمشق .
وانتخب المجلس الجديد ، رئيسا للجمهورية محمد علي العابد ابن احد باشاوات الفترة العثمانية ، والمعروف بأنه ذي وجهين ، وعرف عنه لاحقا رغبته في جمع المال من هذا المنصب ، بعدما حاول النائب عن حلب صبحي بركات الحصول على هذا المنصب ، ورفضه الوطنيين بدمشق .
و تشكلت الوزارة الجديدة ، وشارك جميل مردم بك الوطني و المسمى ثعلب دمشق ، في الوزارة الجديدة ، وشارك معه النائب الوطني مظهر رسلان وهما دمشقيان، وكان في الوزارة من نواب حلب الموالين لفرنسا سليم جنبرت .
و قاطع الحلبيون النواب الموالين لفرنسا، ومنعوا جماعتهم من الصلاة جماعة في المساجد، وشنت الصحف الوطنية هجمة شديدة عليهم.
فقام الفرنسيين بالقبض على زعماء الوطنيين بتهمة التحريض على سلامة الدولة ، ومنهم الشيخ الوقور الدكتور حسن فؤاد إبراهيم باشا المحبوب من الناس ، والملقب ب ( أبونا حسن بيك ) ، وعلى شقيقه النائب السابق جميل إبراهيم باشا ، والسيدان شكيب وشكري الجابري ، والحاج عبد الفتاح البيطار والحاج قاسم جنيد والسيد علي جاموس والحاج عمر عجوز والسيد عبد الوهاب بري والحاج علي حردان وهم من زعماء الأحياء الوطنيين ، ولبثوا في السجن خمسين يوما ، خرجت المظاهرات خلالها لتنادي ( بدنا أبونا حسن بيك ) ، ثم أفرج عنهم جميعا لعدم ثبوت الأدلة .
و كان لجميل مردم قصة تروى عندما حاول النواب الموالين لفرنسا استجوابه كوزير ، أن التفت إليهم باحتقار وقال : من انتم يا أشباه الرجال ... وذهبت كلمته مثلا ولقبا التصق بهم.
و الغريب أن صبحي بركات وقف معارضا بشدة لهذه المعاهدة ، مما لم يكن متوقعا منه .
و عندما حاول البعض جمعه مع هنانو لإزالة الجفاء رفض هنانو رفضا قاطعا .
وعقدت الكتلة الوطنية في سوريا مؤتمرا عام 1932، وشكلت المكتب العام وانتخب لرئاسة مكتب الكتلة هاشم الاتاسي رئيسا و إبراهيم هنانو زعيما وسعد الله الجابري نائبا للرئيس وجميل مردم بيك وشكري القوتلي ود عبد الرحمن كيالي وفارس الخوري أعضاء .
أما مجلس الكتلة الوطنية فقد ضم في صفوفه أهم زعماء سوريا المناهضين للانتداب الفرنسي ومن حلب كان السادة:
إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري، ميخائيل اليان، عبد الرحمن الكيالي، الشيخ عبد القادر السرميني، ناظم القدسي، رشدي كيخيا، عبد الوهاب ميسر، سعد الدين الجابري، إحسان الجابري ، إسماعيل الكيخيا، ادمون رباط، نجيب باقي، احمد خليل المدرس، حسن فؤاد إبراهيم باشا، جميل إبراهيم باشا .
و عندما طرحت فرنسا مشروعا لمعاهدة مجحفة بحقوق سوريا ، استقال الوزيرين الوطنيين الدمشقيين من الوزارة ،فعاد المفوض السامي وشكل وزارة جديدة ، وضع نائبين حلبيين وزراء فيها ، وهم من الموالين لفرنسا ، سليم جنبرت المعروف بالمسالمة ، وشاكر الشعباني وهو من رجال العهد العثماني ،و كان من أعمال هذه الوزارة أن ألغت الديون المستوجبة على المزارعين ، ومنهم نائب حلب ورئيس بلديتها غالب إبراهيم باشا الذي كان مدينا بمبلغ ثماني عشرا لف ليرة ، والنائب عارف الجزار عن جبل سمعان الذي كان مدينا بأحد عشر ألف ليرة ، وهذه المبالغ تعبر مبالغ طائلة في عهدها ،و كان هدف الحكومة أن ترشي النواب لتنال ثقتهم .
و يقال أن هنانو اجبر نواب حلب الوزراء الموالين لفرنسا على الاستقالة من الحكومة ، ويقال أن الحاج مصطفى شبارق ومعه علي جاموس والحاج علي قواس سافروا إلى دمشق ، وطافوا على النواب مهددين بقتلهم في حال اقروا المعاهدة .
و في هذه الفترة تعرض هنانو إلى إطلاق نار في قرية الحامضة التابعة لإنطاكية حاليا ، عندما كان يهم بركوب حصانه ، وأصابته الطلقة في قدمه ، وانهالت برقيات التهنئة بالسلامة متضمنة الآية الكريمة ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) ، وخرجت صحيفة القبس لصاحبها نجيب الريس بعنوان ( رصاص المتآمرين في قدم الزعيم ) ، واتهمت فرنسا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال .
وقد اعد الوطنيون استقبالا حافلا للزعيم هنانو عندما تحسن من مرضه في الجامع الكبير وأعلن الشاب الدكتور ناظم القدسي ، رئيس سوريا لاحقا ، عن فرحة الجماهير بتحسن صحة الزعيم (إبراهيم هنانو ) الذي كان مصابا بالسل .
ثم بدأ الزعيم هنانو يتكلم بصوت متهدج ، يشكر الناس ويحي عواطفهم , ويدعوهم إلى التضامن والتماسك بالوحدة الوطنية لمواجهة المستعمر الفرنسي .
و من أقواله :( النصارى في بلادنا هم إخواننا في العروبة والوطنية لهم ما لنا وعليهم ما علينا،أنا اربأ بهم أن يعتبروا أنفسهم أقلية فهم أكثرية مثلنا ، وكلنا نعيش في ضمان مشترك لا نحتاج معه إلى حماية أجنبية كما يدعي المستعمرون ) .
وعند انتهاء الحفل خرج الزعيم محاطاً بحراسة كثيفة من شباب الأحياء محمولاً على الأكتاف , حتى وصلوا إلى ميدان الجامع الكبير , حيث كانت تنتظره سيارة مكشوفة من نوع (فورد أبو دعسة ) , وكان ميخائيل اليان زعيم الحرس الوطني المسمى بالقمصان الحديدية ينظم الشباب , ويعطيهم التوجيهات والإيعازات , بأن يحملوا الزعيم في سيارته على أكتافهم ، ويتجهوا بها من الجامع الكبير إلى منزله في الجميلية أمام مدرسة التجهيز ( المأمون حاليا) .
في عام 1934 :
و قد زار رئيس الجمهورية علي العابد ورئيس الوزارة الشيخ تاج الدين الحسيني حلب لرفع الستار عن تمثال المطران فرحات ( في ساحة فرحات حاليا ) وكان من المقرر أن يؤدي الرئيسين صلاة الجمعة في الجامع الكبير ، ومن الطبيعي أن يؤدياها في المكان العالي المسمى بالسدة والمخصص للولاة والحكام في الجامع .
و لكن إبراهيم هنانو تقدم مع الوطنيين في مظاهرة حاشدة ، ودخل الجامع عازما على منع الرئيسين من الصلاة في السدة ، وكان رجال التحري قد احتلوا السدة لمنع احد من دخولها تمهيدا لوصول الرئيسين ، فما كان من هنانو إلا أن تقدم منها ، فقام له رجال التحري إجلالا ومنعوا البقية من اعتلاءها فتدافع الناس ضاغطين على رجال التحري ، الذين اضطروا لإخلاء السدة .
و عندما وصل الرئيسان لم يجدا مكانا للصلاة إلا عند الباب، وعند الانتهاء من الصلاة بدأ الوطنيين ينعتونهم علانية بالخونة، وألقي عليهم إبريق من الفخار تحطم أمامهم، فساد الهرج والمرج.
و ألقى الفرنسيين القبض على الوطنيين ، ومنهم سعد الله الجابري وعبد القادر سرميني وناظم القدسي ود حسن إبراهيم باشا ومعهم حوالي الأربعين وطنيا ، وجرت محاكمتهم ودافعوا عن أنفسهم انه لا يوجد في الإسلام نظام تشريفات في الجامع ، والجميع يصلون سواسية .
و عندما سئل سعد الله الجابري عن جرمه أجاب بالاعتراف الكامل ، وبأن ما دعاه إلى ذلك أن علي العابد وتاج الدين الحسيني لا يمثلان الشعب ، وهما عميلان خائنان لمصلحة فرنسة .
أما المحامي ادمون رباط فقد قال في مرافعته موجها الكلام للقضاة الفرنسيين : إن هؤلاء الخونة ليسوا أمناء لكم أيضا ، فمن يخون بلده لا يكون أمينا لغيرها ، وسيطلقون عليكم النار عند خروجكم من بلادنا ، ولكن في ظهوركم ، أما نحن فنطلق عليكم في وجوهكم بما لنا من حق ..
و حكم على الوطنيين بالحبس لمدد مختلفة ، واستمرت التظاهرات ، وإضرابات السوق وشعر التجار بضائقة مالية كبيرة مع استمرار إغلاق محلاتهم اغلب الأوقات .
و من الطرائف أن التاجر الذي كان يخالف تعليمات الكتلة ، ويفتح محله أثناء الإضراب ، يبدأ الناس بشتمه والصراخ عليه ( سكر يا عر... سكر ) ، فيضطر للإغلاق فورا .
و قد كان إبراهيم هنانو قد انفق كل ما يملك على الثورة وعلى الكتلة الوطنية وكان يرسل من يستدين له من التجار مبالغ كبيرة ويعطيهم سندات دين لقاءها ، ولم يكن احد من التجار ليطالبه بمبالغ الدين لعلمه أنها تذهب للثورة وللنضال الوطني ، ولكنها كانت طريقة لجعل التبرع شبه إجباري، وقد رأيت إحدى تلك السندات لدى الأستاذ سعد زغلول كواكبي الذي حصل عليها من سعد الله الجابري واحتفظ بها للذكرى .

هذه كانت رسالته التي عاش لها، والتي ناضل من أجلها، غير مهتم بالداء الذي كان ينهش رئتيه، ويتسلّل إلى أنحاء أخرى من جسمه الطويل النحيل، لقد كان هنانو في أيامه الأخيرة، يدير معركة الجلاء من قريته (ستي عاتكة) قرب كفر تخاريم ، ومن جبل أريحا بعد تكلست إحدى رئتيه من مرض السل وبدأت الرئة الثانية بالتكلس .
وفي هذه القرية تحمّل الزعيم آلام مرضه وأعباء واجبه الوطني بصبر عجيب، وفي صباح يوم الخميس الواقع 12 تشرين الثاني1935 م فاضت روحه الزكية، وانتقلت إلى أحضان بارئها.
و جاء الخبر المفجع في ظهر أحد الأيام من عام 1935 , حين (سمع الصوت ) كما كان يقال , بأن الزعيم قد توفي , وأخذت المآذن تردد آيات القرآن الكريم, كما كانت أجراس الكنائس تقرع في كل مكان , بكاءً وحزناً على زعيمهم , وخرج الناس منتظرين جثمان الزعيم , وكانت تسمع النساء يولولن في كل مكان , ويبكي الزعيم , إلى أن وصل الجثمان فسجي في المشفى الوطني حيث أعطاه الطبيب خالص الجابري دواء يؤخر تفسخه ، وصب لوجه الزعيم قالب وقناعا من شمع كي يستطيع صنع تمثال له في المستقبل ، ثم نقل الجثمان إلى مكتب الكتلة الوطنية المتواضع في حي السويقة .
بانتظار وصول الوفود من كل البلاد العربية والأجنبية , ووقفت إلى جانب الجثمان مجموعةٌ ُُُ من الحرس الوطني ( القمصان الحديدية ) , بقيادة المهندس الزراعي رشيد رستم والدكتور خالص الجابري .
وبعد تقاطر الوفود من الأقطار العربية والأجنبية والانتهاء من زيارة وتحية الجثمان , خصص يوم لموكب الجنازة , وقد وضع النعش على سيارة شاحنة صغيرة مجللة بالعلم السوري , يحيط به ستةٌٌُ من الحرس الوطني ( القمصان الحديدية ) ، باللباس الموحد المتميز بالقميص الطويل الحديدي اللون وبالفيصلية ، (و هي القبعة التي كان يرتديها الملك فيصل ) , يرأسهم رشيد رستم وخالص الجابري , وتتقدمه موسيقى دار الأيتام الإسلامية التي يشرف عليها عضو الكتلة الوطنية الحاج نجيب باقي , وهي تعزف الألحان الحزينة , وولاويل النساء تُسمع من كل مكان, تهتز لها أرجاء حلب كلها ,و سار خلف الجثمان موكب ضخم من رفاقه الوطنيين, وكان الموكب يسير ببطء يتناسب مع قدر الجنازة وقدر الزعيم , والحياة توقفت في المدينة إلا الحشود المصفوفة بانتظام ليس له مثيل أبداً على جوانب الشوارع , بدون غوغائية , ويشرف على تنظيم الجنازة ، الحرس الوطني بزعامة ميخائيل اليان .
و سار المحامون بالجنازة بأروابهم الرسمية على اعتبار أنها جنازة وطنية .
وقد استغرق الموكب قرابة أربع ساعات والناس مشاة خلفه ، حتى وصل إلى حي الجميلية حيث انضم إليه شكري القوتلي من بناء يقع أمام مدرسة معاوية الحالية ،, وتوقف قليلاً هناك أمام منزل الزعيم , ثم اتجه إلى المقبرة, ودفن في موقع مخصص له , وتبدل اسم المقبرة إلى مقبرة هنانو ، وما زالت تحمل هذا الاسم حتى الآن بالرغم من إزالة القبور منها في وقت لاحق ....................
و كانت بداية الموكب قد وصلت إلى المقبرة بينما نهايته ما زالت في الجامع الكبير ، ( كيلو مترات كثيرة ) , وعشرات الألوف جاؤوا من أقطار الأرض , وكانت بيوت الحلبيين مفتوحة للضيوف ، وكان الفرنسيون مشدوهين بذلك ، وللأمن والهيبة التي رافقت الجنازة ، مع العلم أن المنظمين الوطنيين لم يسمحوا أبدً للسلطات الفرنسية المنتدبة أو السلطات المحلية التي كانت تعمل لحساب الفرنسيين , بالمشاركة في هذه المناسبة التاريخية العظيمة .
المراجع :
- تاريخ النضال الشعبي في الإقليم السوري : تأليف النقيب سليمان محمود السبعاوي .
- نضال الأحرار في سبيل الاستقلال ، مذكرات جميل إبراهيم باشا .
- مذكرات المحامي الأستاذ فتح الله الصقال .
- ذكريات وخواطر ، اسعد الكوراني .
- المراحل : الجزء الأول ، د عبد الرحمن كيالي
- مذكرات الأستاذ محمد السيد ( لم تنشر )

Monday, September 17, 2007

إسرائيل ستدفع الثمن مقالات مترجمة

إسرائيل ستدفع الثمن
مقالات مترجمة
السفير السوري في واشنطن، السيد عماد مصطفى، قدم تفسيراته حول الغارة الغامضة التي شنتها إسرائيل على سوريا وناقش احتمالات الرد السوري.

فرضت إسرائيل جواً صارماً من السرية العسكرية حول أنباء غارتها التي شنتها على الأراضي السورية. والمسؤولون الأمريكيون أكدوا أن تلك الغارة الجوية حدثت في السادس من شهر أيلول الحالي ولكنهم لم يقدوا أية تفاصيل أخرى. وهناك تقارير مغفلة المصدر تحمل أنباءً عن برنامج نووي بتعاون بين سوريا وكوريا الشمالية تناقلتها وسائل الإعلام. ما الذي لدى سوريا لتقوله حول هذه الأحداث؟
صحيفة النيوزوييك وحول هذا الموضوع بالذات أجرت حواراً مع السفير السوري في واشنطن السيد عماد مصطفى كي يقص لها روايته حول تلك الأحداث.

نيوزوييك: علمنا أن المكان الذي استهدفته إسرائيل يدعى دير الزور؟
مصطفى: لا، دير الزور مدينة رئيسية ولم يتم استهدافها. أما الطائرات الإسرائيلية فقد ألقت بذخائرها بالقرب من مدينة دير الزور، ولكن خارج المدينة، ومن ثم عادت أدراجها وألقت أثناء ذلك باحتياطيها من خزانات الوقود.
وبما أنهم كانوا يحلقون فوق الحدود السورية التركية فقد سقطت تلك الخزانات فوق الجانب التركي من الحدود. ولم يكن هناك أية أضرار.
نيوزوييك: وماذا فجروا هناك؟
مصطفى: لم يفجروا أي شيء. حالما قامت أجهزتنا الدفاعية بالتقاطهم بدءنا بمهاجمتهم لذا القوا بذخائرهم كي تصبح حركتهم أخف وأسرع، والقوا بخزانات الوقود تلك، التي لم تكن فارغة بالمناسبة، وعادوا أدراجهم وغادروا. يجب أن تعرفوا نقطة وهي أنهم كانوا يحلقون فوق الشمال الأقصى لسوريا أي فوق الحدود السورية التركية.
نيوزوييك: كم عدد القنابل التي قاموا بإسقاطها؟ وما هي الأهداف التي أسقطت عليها؟
مصطفى: لم يضربوا أية أهداف. كل ما اسقط كان على أرض جرداء.
نيوزوييك: إذاً لم يكن هناك أية إصابات؟
مصطفى: لا أبداً.
نيوزوييك: لم يكن هناك أية أضرار مادية بالأبنية أو البنى؟
مصطفى: لا. فقط الأرض القاحلة. وقد قامت تركيا بالاحتجاج على إسقاط خزانات الوقود التي وقعت فوق أراضيها.
نيوزوييك: هناك تقارير إخبارية أشارت إلى أن النقطة التي تم استهدافها كانتا مشروع نووي مشترك بين سوريا وكوريا الشمالية؟
مصطفى: هذه التقارير من أساسها سخيفة ومضحكة ولا أساس لها من الصحة إطلاقاً.
فليس من منشات نووية بتعاون بين سوريا وكوريا الشمالية في سوريا.... نحن نعرف هذه اللعبة جيداً. فبعد سقوط بغداد زعم البعض أنه تم تهريب أسلحة الدمار الشامل التي اتهم صدام حسين باقتنائها إلى سوريا... لذا هذه الرواية ليست جديدة علينا. واليوم نسمع عن مواد نووية تم نقلها الى سوريا.
نيوزوييك: كيف هي العلاقة بين سوريا وكوريا الشمالية؟ فقد لاحظنا أن كوريا الشمالية أصدرت على الفور تصريحاً يحمل استنكاراً وإدانة لذلك الاعتداء الإسرائيلي، وهذا يبدو غريباً نوعاً ما خاصة وأن كوريا الشمالية بعيدة آلاف الأميال عن سوريا؟
مصطفى: في هذه النقطة الناس انتقائيين. فالحكومة اللبنانية أصدرت مثل هذا التصريح، وتركيا أصدرت مثل هذا التصريح، اندونيسيا أيضاً أصدر مثل هذا التصريح. وكوريا الشمالية تتمتع بالقليل من الصداقات في العالم، ونحن من بين هؤلاء اللذين تجمعنا معها علاقات ودية.
نويزوييك: هل هناك علاقات تجارية بين سوريا وكوريا الشمالية؟
مصطفى: في الحقيقة قليل جداً، وجود العلاقات معها أمر واقعي ونحن لا ننكر ذلك. وليس لدينا ما نخفيه.
نيوزوييك: هل بينكم أيضاً علاقات تجارية في مجال الصواريخ، في الماضي مثلاً.
صواريخ سكود مثلاً؟
مصطفى: لست على اطلاع أو معرفة بالتفاصيل العسكرية. وأنا اترك ذلك للخبراء العسكريين. ولكن ما أقوله الآن هو الأتي: ليس بين سوريا وكوريا الشمالية ما هو شرير. والتحدث عن منشاة نووية بتعاون بين سوريا وكوريا الشمالية أمر يثير الاكتئاب فعلاً، لأن ذلك يذكرني بتلك القصص التي تم فبركتها هنا في الولايات المتحدة قبل احتلال العراق، تلك القصص التي كانت تحكي عن وجود أسلحة دمار شامل وأشياء كهذه. قد تعتقد بأن أمريكا قد تعلمت من ذلك الدرس، وأنها لن تستمع إلى مثل هذه القصص مجدداً، ولكنك تفاجأ عندما ترى وسائل الإعلام تنشر مثل هذه القصص.
نيوزوييك: هناك تقرير أخر غير مؤكد أيضاً يشير إلى أن النقطة التي تم استهدافها كانت منشاة صواريخ سورية إيرانية مشتركة؟
مصطفى: وكان هناك تقرير ثالث يقول بأنها كانت حافلات تنقل أسلحة لحزب الله.
هذه التقارير كلها سخيفة. هل يعقل أنهم رأوا حافلات تنقل أسلحة لحزب الله في الشمال السوري؟
نيوزوييك: إن السبب الذي يدعو وسائل الإعلام لنشر التنبؤات، حسب اعتقادي، هو أن الرقابة الإسرائيلية تفرض سيطرة صارمة على المعلومات والناس الذين يعرفون شيئاً ما عن الموضوع افترضوا أن تلك الغارة كانت شاناً كبيراً وأنه لا بد تم استهداف نقطة ما وأن ما تم استهدافه تم قصفه؟
مصطفى: إسرائيل تتفاخر دوماً وتتصرف بغطرسة. وعادة عندما تقوم بأي شيء تبدأ بالتفاخر به وبمدى روعة العلمية التي قامت بها، ومدى النجاح الذي حققته. وفي هذه المرة كان هناك فقط ربط هزيل هنا وهناك من قبل الناس الذين زعموا هذا أو ادعوا ذاك. وكوني أقول هذا فهذا لا يعني أنني اقلل من حجم ذلك الاستفزاز الإسرائيلي. فهذا الاستفزاز قلب الأوضاع بيننا رأساً على عقب. فقد كانوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية يبعثون لنا برسائل يقولون فيها أنهم لا يريدون تصعيد التوترات بين سوريا وإسرائيل، وأنهم ليس لديهم أي خطط عدوانية ضد سوريا.
وكانوا يقولون هذا علناً. ومن ثم يقومون بإرسال طائرات مقاتلة لاختراق الأجواء السورية. وهذا برأيي استفزاز خطير جداً.
نيوزوييك: حول هذه النقطة، قال نائب الرئيس السوري السيد فاروق الشرع لصحيفة ايطالية إن دمشق سترد على ذلك؟
مصطفى: لنكن صريحين مع بعضنا البعض. كل فعل على الكرة الأرضية يخلق رد فعل.
لذا إذا كان هناك من يتخيل بأن سوريا ستنظر إلى ما حدث وتقول "حسناً، لندع الأمور تمر". هذا الكلام غير واقعي. ولكن هذا لا يعني أيضاً أن سوريا ستنتقم فوراً بنفس الطريقة تماماً. نحن لدينا أولوياتنا الوطنية.... ولقد كانت سوريا واضحة جداً بشأن رغبتها بإنهاء النزاع في الشرق الأوسط من خلال المفاوضات والمقاربات السلمية المبنية على مبدأ الأرض مقابل السلام. ونحن ملتزمون بذلك.ك.
نيوزوييك: هل يمكنك أن تعطيني مثالين على ذلك؟
مصطفى: أنا لست خبيراً عسكرياً. ولكن أي شخص ملم بالوضع في الشرق الأوسط سيفهم ذلك. إنهم يريدون احتلال أراضينا، وسيدفعون ثمن ذلك.
نيوزوييك: اخبرنا عن الجهود الدبلوماسية المحيطة بهذه القضية. هل اتصل بك مسؤولون أمريكيون؟ هل اتصلت بمسؤولين أمريكيين؟
مصطفى: لا أبداً. الولايات المتحدة مستمرة في تقديم الغطاء لإسرائيل، أياً يكن ما تقوم به إسرائيل. وهي بطريقة أو بأخرى عبرت عن موافقتها الضمنية على ما قامت به إسرائيل. ولكن نحن قدمنا شكوى رسمية لمجلس الأمن في الأمم المتحدة. وأعلمنا جامعة الدول العربية، الدول الأوربية، روسيا، الصين.... وقلنا علناً أننا نحتفظ بحق الرد بالطريقة التي نريد.
نيوزوييك: هل قدمتم أي شكوى لواشنطن؟
مصطفى: سيكون ذلك مضيعة للوقت. ولا أعتقد بأن واشنطن تمتلك اليوم توجهات تمكنها من إدراك الكيفية التي تدفع فيها مثل هذه الأفعال السيئة إلى المزيد من التدهور في الشرق الأوسط.
نيوزوييك: كيف هو وضع العلاقات السورية الأمريكية اليوم؟ في الماضي كان هناك الكثير من التعاون الاستخباراتي، ومن ثم كان هناك فترة طويلة من الجمود، وبعد ذلك بدا وكأن هناك القليل من الانفتاح في الشتاء وربيعاً في هذا العام؟
مصطفى: للمرة الثانية نقول للولايات المتحدة أننا نؤمن بالتعاون. وبإمكاننا طرح هذه القضية، وإيجاد نقاط مشتركة والبحث والعثور على حلول خلاقة. ولكن اليوم ليس من حوار بين سوريا وأمريكا. وهذا لا يسرنا أبداً. فنحن نعتقد بأننا بحاجة لإقامة علاقات جيدة مع أمريكا. ولا يمكن أن يكون هناك حل للنزاع العربي الإسرائيلي دون تدخل مباشر وقوي من قبل الولايات المتحدة. وأريد ان أقول بأننا نعاني أيضاً من مشكلة العراق. والمساعدة في استقرار العراق يقع ضمن مصلحتنا الوطنية. هذا الوضع خطير جداً. وسوريا بالذات تزدحم بنحو 1.5 مليون لاجئ عراقي. لذا فالأزمة خطيرة جداً. وللمرة الثانية قلنا للولايات المتحدة أنه من الأفضل إيقاف هذه الحرب الدعائية والجلوس معنا ومراقبة كيف أنه بإمكاننا المساعدة في استقرار الوضع.
نيوزوييك: المشكلة الأخرى بين سوريا والولايات المتحدة هي لبنان؟
مصطفى: هل أنت متأكدة من أنها مشكلة بين سوريا والولايات المتحدة؟ أنا أعتقد أنها مشكلة لها علاقة بما تريده إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.
نيوزوييك: ولكن المشكلة أن الكثير من معارضي السياسة السورية في لبنان قد تم اغتيالهم. مثل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري؟
مصطفى: هل تعتقدين بأن رفيق الحريري كان معارضاً لسوريا في لبنان؟ لقد كان رئيس الوزراء عندما كنا في لبنان. وجميع الأشخاص اللذين يشوهون سمعتنا اليوم كانوا حلفاء مقربين جداً لما يسمونه اليوم "الاحتلال السوري في لبنان" وهذا غير معقول أبداً.
نيوزوييك: هناك أشخاص تم اغتيالهم في لبنان بما فيهم صحفيين؟
مصطفى: هذه الاغتيالات هي جرائم مريعة. وهناك لجنة تحقيق دولية تحقق في هذه الجريمة. هذه قضايا جدية وخطيرة. وبالطبع نحن نقول "لا، نحن لم نفعل هذا" حاولوا أن تفهموا. هل يعقل أن يحدث اغتيال وبعد خمس دقائق تتوجه أصابع الاتهام إلينا. لقد تم إلحاق إضرار سياسية هائلة بنا. وبعد ذلك وبأسلوب غبي جداً يفترضون بأننا نقوم باغتيال شخصية اثر الأخرى؟ لماذا؟ هناك أمر غير منطقي في هذا الكلام. لنترك تحقيقات الأمم المتحدة لتقرر من هو الذي قتل كل هؤلاء الضحايا.
نيوزوييك: خلال فترة التوترات الأخيرة مع إسرائيل هل كان هناك وقت فكرت فيه الحكومة السورية بتوجيه رد عسكري ضد إسرائيل؟ إطلاق صواريخ مثلاً؟
مصطفى: نحن لم نخسر حقنا في الرد. ولكن وكما قلت، ليس بالضرورة أن نرد ونستخدم طريقة اسرائيل الهجومية ذاتها. وأنا لست على دراية تماماً بطبيعة الرد الذي ستتبناه سوريا. يمكن أن يكون هذا الرد بطرق مختلفة. يعني ما أريد أن أقوله هو التالي: نحن نعيش في حالة حرب مع إسرائيل. وهذا ليس أو فعل عدواني يحدث بين سوريا وإسرائيل... المشكلة هي أن تحركاً أحمق قد يتمخض عن عواقب وخيمة ورهيبة.
نيوزوييك: قبل هذا الاعتداء الأخير كان هناك بعض الدبلوماسية عندما كانت إسرائيل ترسل بمؤشرات أسمتها مؤشرات "تهدئة". كان هناك فترة من التوتر وتلتها فترة الهدوء تلك ومن ثم حدث ذلك الاعتداء. هل يمكنك أن تصف لي تلك الفترة التي سبقت الاعتداء؟
مصطفى: يمكنني أن أقول لك بأن إسرائيل تخلق جواً من التشويش في المنطقة(تستخدم أسلوبا للحصول على مكاسب سياسية من خلال التظاهر بأنها مستعدة للقيام بأمر جدّي. المترجم). في تلك الفترة كان هناك الكثير من المناورات (التي لم يسبق لها مثيل) في مرتفعات الجولان السورية المحتلة. وبالطبع كان السوريون على دراية بها وكانوا على أهبة الاستعداد. وبعد ذلك قام الإسرائيليون، ايهود اولمرت شخصياً، بإرسال رسائل شخصية علنية للمسؤولين الأوربيين قال فيها إن سوريا يجب أن لا تقلق أبدا فإسرائيل لا تنوي استفزازها أو شن أي اعتداء عليها. ولكن سوريا ليست بلداً ساذجاً. وطالما أنه ليس هناك من اتفاق سلام بيننا، علينا أن نبقى مستعدين دوماً.
نيوزوييك: هل من الممكن أن ترى سوريا أن الرد على ذلك الاعتداء ليس ضمن مصلحتها الوطنية؟
مصطفى: عدم الرد لا يخدم مصلحتنا الوطنية وإنما يلحق الضرر بمصلحتنا الوطنية لأنه سيشجع إسرائيل على تكرار الاختراق ذاته والعمليات ذاتها. وكما قلت، كل فعل يخلق رد فعل. وإذا وضعت إسرائيل ذلك في حساباتها يمكنهم أن يفعلوا ما يحلو لهم، ولكنهم بذلك يرتكبون خطأً فادحاً. تماماً كالخطأ الذي ارتكبوه في الصيف الماضي عندما شنوا حربهم ضد حزب الله في لبنان.
نيوزوييك: اذاً، إذا كان عنوان هذا اللقاء "سوريا سوف ترد" سيكون عنوناً دقيقاً؟
مصطفى: لقد قلت بأن هذه حرب بعيدة المدى. والدول لديها مقاربات مختلفة للأمور. ولن يسمح لإسرائيل بالقيام بما تريد دون أن تدفع الثمن.
نيوزوييك: اذاً إسرائيل ستدفع الثمن؟
مصطفى: ستدفع الثمن. و دوماً سيكون هناك ثمن لكل شيء.

بقلم جيفري بارثوليت - نيوزوييك
ترجمة هدى شبطا - سيريانيوز